كي ترضخ شعبا وتجعله طيلة الوقت راكعا على آخر سلم البشرية، يتعمد الديكتاتور تجهيل الشعب وإفقاره؛ لأن الفقر والجهل يصنعان العبيد الذين يهتفون للطاغية ويثبتون أركان حكمه، فلا صوت للعقل في وطن تتوالى عليه الكوارث، ولا تسمع إلا أصوات طبول المهرجين في الإعلام ممجدين السفاح عبدالفتاح السيسي الذي يسير بالبلاد إلى الهاوية.
وأظهرت كارثة انحراف سفينة حاويات عملاقة في مجرى قناة السويس الاستبداد العسكري، فلا معلومات ولا نشر للخبر، مع محاولة تقليل حجم الكارثة وإظهار أن كل شيء يسير على ما يرام، وبالطبع تمجيد القيادات المسؤولة عن الكارثة. غني عن الذكر أن جميع المسؤولين عن الكارثة جنرالات متقاعدون، لم ينتخبهم أحد، بل هم في مواقعهم بقوة السلاح.

عقلية العسكر
مرت القاهرة خلال الأيام الماضية بأوقات عصيبة إثر وقوع 8 حوادث مأساوية بدأت بجنوح سفينة “إيفرجيفن” بقناة السويس وانتهاءً بحريق في منطقة المعادى، جنوب القاهرة، يوم الأحد 28 مارس. وبعد جنوح سفينة شحن في قناة السويس، الثلاثاء، قتل، الجمعة، 300 شخصا في اصطدام قطارين في الصعيد، والسبت، توفي 20 شخصا جراء انهار مبنى سكني في القاهرة، ثم شب حريق هائل قرب محطة الزقازيق في محافظة الشرقية، شمال القاهرة، وأخيرا حريق رابع في منطقة المعادي بجنوب القاهرة.
حالة “النحس” المريبة التي أصابت مصر من خلال سلسلة متوالية من الحوادث والكوارث التي أذهلت المصريين، حيث شهدت الدولة منذ انقلاب الديكتاتور السيسي كوارث عدة؛ لم يكن أولها حادث سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء. ويجد المصريون أنفسهم لا يستطيعون منع أنفسهم من التساؤل – أمام كل هذا عما إذا كان الديكتاتور السيسي هو رجل “منحوس” وجلب لهم معه النحس والخراب، أم أن كل هذه الوقائع هي مجرد مصادفات، وأي ارتباط درامي بينها وبين فترة الانقلاب هو عن طريق الصدفة؟
ولا يكاد يمر يوم إلا ويظهر وينكشف المزيد من الأخطاء والنتائج الكارثية للنظام العسكري الحاكم في مصر والتي لا تحتاج للكثير من التفكير للوصول إلى نتيجة قطعية بأن هذا الانقلاب جلب لمصر مشاكل وأزمات وعقبات، ووضع، ولا يزال، على كاهل شعبها فواتير وديونا وقروضا وتبعات يصعب التعافي منها على المدى القريب، ومع هذا لا ينفك الإعلام الموالي للعسكر عن قلب الحقائق وتزييف الواقع وتصوير الأمور على عكس حقيقتها.
الاستبداد يمثل الركيزة الأساسية لعقلية العسكر، فلا تقبل بصوت العقل، ولا ترضى بأي شكل من أشكال الشفافية، لا بد من فضيحة لكي تعترف عصابة الانقلاب بأن أمرا ما قد جرى.

قهوة معاشات العسكر
خلال سنوات الانقلاب الماضية شهد المصريون تحت حكم العسكر بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، العديد من الممارسات والسياسات الخاطئة، التي كان لها العديد من التداعيات الخطيرة، يقول الناشط السياسي الدكتور عماد الوكيل :”شوف أي مصيبة هتلاقي وراها حد من قهوة معاشات القوات المسلحة. لازم اللواء أو الرتب لما تطلع معاش يروح حي أو محافظة أو هيئة قناة السويس. للأسف جمهورية الظباط يجب أن تنتهي. الحكم العسكري هو من جعل مصر أسفل أي قائمة مثال الأسوأ في التعليم و الصحة و حقوق الإنسان و الديمقراطية و الرفاهية. للأسف عانت مصر من الحكم العسكري لمدة سبعين عاما تقريبا، وأتمنى أن يرحل هؤلاء الأوغاد كي نستطيع بناء هذا الوطن مرة أخرى. للأسف الجهل و الديكتاتورية هم سبب كل شيء، و الضحايا هم فقراء هذا الوطن”.
ويقول الناشط محمود صابر: “الناس مش عايزة تصدق أن العسكر مكانه الحدود. ويربطون بين البدلة والوطنية. رغم أننا كلنا إما مجند أو تحت الطلب، وأننا كمدنين في أوقات الحرب بنكون ع المدفع. مش قادر أستوعب غير بلطجة الحكم للعسكر”.
المشهد الاقتصادي المصري منذ إطاحة الجيش بالملك فاروق بتاريخ 23 يوليو عام 1952م، وإنهاء حكم الملكية الممتد لما يقرب من قرن ونصف القرن، وتحكم الجنرالات بكامل الحياة السياسية والاقتصادية، نتج عنه عدد من الأمور التي جعلت مصر التي كانت تحتل أقوى تاسع اقتصاد في العالم عام 1950م، وكانت أكبر بورصة قطن في العالم موجودة بالإسكندرية، وأكبر مصانع الغزل والنسيج بالعالم كانت موجودة بمصر، وكانت القوة الشرائية للجنية المصري أقوى من الجنيه الذهب، والإسترليني، ويعادل أربعة دولارات، رغم الاحتلال الإنجليزي لمصر لما يقرب من 70 سنة.
والمشهد منذ سنة 1952م، وحتى عام 2013م، شيء، ومنذ سنة 2013م، وحتى الآن شيء آخر؛ فالاقتصاد المصري منذ عام 1952م، وحتى عام 2013م، كان يترنح ما بين المقبول والضعيف، والمترنح والممول ما بين معونات ومساعدات الاتحاد السوفيتي، خلال حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وما بين المساعدات الأمريكية، عقب اتفاقية كامب ديفيد، خلال حقبة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وما بين مساعدات الخليج خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي والألفية الجديدة.
يأتي “الإعدام السياسي” كأبرز إنجازات فترة انقلاب السفاح السيسي، حيث ينفرد بأنه الديكتاتور الذي شهد عهده ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد المحكوم عليهم بالإعدام، حيث ارتفع العدد من 109 في عام 2013 إلى 509 في عام 2014، ولم تتوقف إنجازات الديكتاتور السيسي بالطبع عند هذا الحد، والإعدام لم يكن حدث آخر السطر في قائمة طويلة من الكوارث والانتهاكات التي تُعلن عن ضرب السياسة في مقتل على يد ديكتاتور العسكر.

Facebook Comments