استمرار سياسات القمع ضد المعارضة من قبل نظام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي سواء بأحكام قضاء مسيسة ضد قيادات جماعة الإخوان المسلمين كالدكتور محمود عزت بالسجن المؤبد في أولى قضايا محاكمته، أو بإدراج نحو 100 اسم جدد فيما يعرف بقوائم الإرهاب التي تمثل سلاحا مسلطا لنهب أموال المصريين واستمرار سياسات الاعتقالات والإخفاء القسري والتضييق على السجناء، على الرغم من التطورات الإيجابية التي اتخذتها المعارضة المصرية بالخارج وإعلان اتحاد القوى المصرية اصطفافه مع الشعب المصري ضد محاولات إثيوبيا لنهب حصة مصر المائية عبر الملء الثاني، لسد النهضة المنتظر في يوليو وأغسطس الماضي، بما يفقد مصر نحو 11 مليار متر مكعب.
تلك السياسات من جانب سلطات الانقلاب والتي تتزامن مع إعلانات متتالية من قوى وطنية بتجنب الخلافات المصرية/ المصرية جانبا في الوقت الحالي، والاصطفاف في مواجهة أزمة سد النهضة، تعد من باب العبث الذي يبدو أن النظام الانقلابي أدمنه منذ يونيو 2013، سواء على المستوى السياسي، أو الاقتصادي أو الخارجي أو العسكري.
فلا أدل على ذلك من تزايد حجم الفقر والبطالة في مصر بنسب غير مسبوقة، ومع ذلك يضخ السيسي مليارات الدولارات والتريلونيات في مشاريع فنكوشية، في العاصمة الإدارية أو في منطقة العلمين أو مشروع قطار الترفية من العين السخنة إلى العلمين، أو في مشاريع هضبة الجلالة الترفيهية، وغيرها من تفريعة قناة السويس التي لا تقدم ولا تؤخر لمصر سوى استنزاف المليارات من جيوب المصريين. وأيضا جاءت قضية سد النهضة التي صنعها السيسي بنفسه، عبر توقيعه على اتفاق المبادئ لسد النهضة في مارس 2015م.
ولعل العبثية التي يدير بها السيسي ملف سد النهضة ستزيد انعكاسات أزمة السد تعقيدا على مصر، إذ إن العديد من الدوائر السياسية تؤكد أن اثيوبيا تعرف جيدا حدود الفعل السياسي للسيسي ونظامه، وحجم العراقيل الدولية التي ستواجهه سواء من قبل الشريك الصيني الذي يتمتع باستثمارات ضخمة في السد وفي عموم اثيوبيا، وأيضا من جانب روسيا وإسرائيل الذين قدموا المنظومات الدفاعية والصاروخية العديدة التي تعرقل أي تحرك عسكري مصري مستقبلي.

التردد المصري
ومؤخرا، فشلت المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا، والتي عقدت على مدار أيام في كينشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية، التي تترأس الاتحاد الأفريقي، في تحقيق أي تقدم نحو حل أزمة سد النهضة، ما وضع الموقف المصري في خانة الضوء الأحمر مع بداية العد التنازلي للملء الثاني للسد في يوليو المقبل. وتخشى مصر من تأثير السد على حصتها من المياه، والبالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويا تحصل على أغلبها من النيل الأزرق، وسبق أن أعلنت أنها تعتبر جولة المفاوضات في كينشاسا بمثابة "فرصة أخيرة" للتوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل السد.
وبينما تتمسك القاهرة بالتوصل أولا إلى اتفاق يحافظ على منشآتها المائية ويضمن استمرار تدفق حصتها السنوية من مياه نهر النيل‎، البالغة 55.5 مليار متر مكعب، تؤكد إثيوبيا أن الملء الثاني لسد النهضة سيتم في موعده المقرر.
وإزاء ذلك، تباينت تقديرات المراقبين تجاه المواقف المعلنة من الجانب المصري بين مرجح لتنفيذ القاهرة عمل عسكري يضمن خروج السد الإثيوبي من الخدمة لعدد من السنوات، أو تدميره بالكامل، مقابل آخرين يرون في هذا الاحتمال أمرا مستبعدا.
وتوقع استاذ العلوم السياسية حسن نافعة أن تقاتل مصر بعد حرمانها من حقوقها في مياه النيل، وإفشال إثيوبيا لمفاوضات كينشاسا، مثلما أفشلت جولات كثيرة سابقة، وكتب عبر تويتر: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم (..) لا يخالجني شك في أن مصر ستقاتل إن أصرت إثيوبيا على حرمانها من حقوقها في مياه النيل، وأفشلت الجولة الحالية من المفاوضات مثلما أفشلت جولات كثيرة سابقة.
إلا أن النظام المحكوم بالعبثية وعبر المخابرات التي تركب البغال من الإعلاميين كعمرو أديب وجهت، عبر برنامجه "الحكاية" على قناة "إم بي سي مصر"، رسالة لمتابعيه في اتجاه معاكس، مفادها أن "هناك ابتزازا عسكريا من قبل كل الدول المعادية لمصر لجرها للدخول في حرب"، معلقًا: "كل الناس اللي بتكرهنا لا أستثني منهم أحدًا كلهم رأيهم أننا لازم نحارب".
بعض المراقبين اعتبر ذلك دليلا على تردد "السيسي" وخشيته من عواقب العمل العسكري، خاصة بعدما قللت وزارة الخارجية الإثيوبية من قيمة تلويحه بضرب سد النهضة في مقال بمجلة (A Week in the Horn). وأورد المقال أن التلويح المصري يأتي في إطار سياق تاريخي من التهديدات باستعمال القوة من قبل رؤساء مصر السابقين، مؤكدا أن أديس أبابا "تستعد حاليا لكل الاحتمالات وماضية في التحضيرات لعملية الملء الثانية للسد".

موقف أبو ظبي

عامل آخر يدفع باتجاه "تردد" القاهرة، وهو موقف أبوظبي من الأزمة، إذ تحاول لجم التصعيد من جهة مصر والسودان نحو إثيوبيا، وهو ما كشفه البيان الأخير لوزارة الخارجية الإماراتية، الذي عبر عن موقف أقرب للحياد منه لدعم مصر والسودان، حيث دعا إلى "حوار بناء" بين الدول الثلاث، وهو موقف مختلف عن إعلان الدعم الصريح للقاهرة من قبل السعودية والبحرين وعُمان. ولذا لم تستجب مصر لمحاولة الوساطة الإماراتية، بينما يبدو أن الإغراءات المالية دفعت السودان إلى إبداء مرونة تجاهها، حيث أعلنت الحكومة السودانية، قبولها بوساطة أبوظبي.
يشار إلى أن الإمارات تمتلك أوراق ضغط كبيرة على إثيوبيا، حيث إن لديها استثمارات ضخمة في إثيوبيا وعلاقات وثيقة مع رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد"، وفي الوقت نفسه فإن للإمارات نفوذ في السودان وتحافظ على علاقات استراتيجية مع مصر، وقد يجعلها ذلك وسيطا مناسبا لحل أزمة سد النهضة"، وفقا لما أورده موقع "المونيتور".
وهكذا تتحكم العبثية السياسية في المشهد المصري على مستوياته المتعددة، بالداخل والخارج، والسياسي والاقتصادي والحقوقي؛ ما يعمق أزمة مصر ويجلعها أمام مسارات غامضة وبالغة الصعوبة.

Facebook Comments