يصطنع نظام السفاح عبد الفتاح السيسي معارك جانبية لتشتيت الأنظار عن كوارث الاتفاقيات والتنازلات التي أبرمها؛ ليظل جاثما على أنفاس المصريين، محاولا تكريس الهوية الفرعونية بدلا من الحضارة الإسلامية التي انتهى إليها المصريون، في الوقت الذي يستمر التضييق على ممارسة الشعائر الدينية والتضييق على المساجد والانشطة التابعة لها بزعم مواجهة كورونا.
وتبارى إعلام العسكر في تمجيد الحضارة الفرعونية التي حكمت مصر لآلاف السنين، مع ما يستدعيه ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عقائد أولئك الفراعنة ومقدساتهم ولغتهم التي قررت حكومة الانقلاب تدريسها لتلاميذ المرحلة الابتدائية.

تضييق وإلهاء
وفي الوقت الذي سمحت فيه حكومة الانقلاب للكازينوهات والفنادق والملاهي الليلية باقامة حفلات الإفطار الجماعي مصحوبة بحفلات الغناء والرقص، تمنع المساجد من ممارسة شعائرها بحرية، وتضييق على المصليين وتحدد لهم زمن الركعات وكم تستغرقه من الوقت وكأنها مباراة رياضية وليست شعيرة.
وزعم وزير الأوقاف في حكومة الانقلاب ، محمد مختار جمعة، خلال مداخلة هاتفية مع عمرو أديب أن "الالتزام بالإجراءات سيضمن أن يظل بيت الله مفتوحا لأداء الصلوات" مشيرا إلى أنه وجه الأئمة والعمال بعدم افتعال المشاكل مع المصلين "بينصحوهم ولو ملتزموش بالإجراءات بيقفلوا المسجد"، وأن الإمام والعامل يرفعان مذكرة لمدير الإدارة بعدم التزام المصلين وسيتم في وقتها إغلاق المسجد.
وفي محاولة للتنصل من وزر إغلاق المساجد أمام المصريين، زعم جمعة أن من يتسبب في غلق المسجد يتحمل ذنبه أمام الله، "احنا عاوزين نفتح المساجد ولا ضرر ولا ضرار وأن الساجد قبل المساجد والبشر قبل الحجر".
وبشكل مثير للسخرية قال وزير الأوقاف في حكومة الانقلاب، أن سبب تحديد مدة زمنية معينة لصلاة التراويح بـ"نصف ساعة"، هو أن جامع الأزهر الشريف هو الذي دعا لذلك "صلاة العشاء 4 ركعات في طبيعتها من 7 لـ10 دقائق وعندي في القيام 8 ركعات كأنها 10 دقائق و10 دقائق والشفع والوتر 10 دقائق".
من جهته يقول حساب المجلس الثوري المصري في تغريدة رصدتها "الحرية والعدالة" :"صلاة التراويح نصف ساعة في رمضان وممنوع التهجد وممنوع حلقات الذكر والدروس وتحفيظ القرآن وممنوع الوضوء وممنوع القيام والاعتكاف وممنوع موائد الرحمن وممنوع إذاعة الصلاة في مكبرات الصوت وممنوع كل ما يخص الدين، أما المسلسلات والفقرات الفنية التي تلهينا عن الدين وعن مصائبهم، مستحبة!".

افتعال معركة الهوية 

وفيما يحاول السفاح السيسي سلخ مصر عن هويتها العربية الإسلامية، يقول الكاتب الصحفي قطب العربي:" السيسي هو من افتعل معركة الهوية هذه المرة، وليست إحدى القوى السياسية، وليس التيار الإسلامي بطبيعة الحال. فالعقلاء في مصر يدركون أن تاريخهم هو كل لا يتجزأ، بدءا من أول الخليقة ومرورا بحضارة الفراعنة واليونانية والرومانية والمسيحية، وانتهاء بالحضارة العربية الإسلامية. وكل تلك الحضارات تركت بصماتها على الشخصية المصرية، كما أن توالي العهود كان بمثابة التطور الطبيعي للحضارة بشكل عام، وصولا إلى أحدث نسخها في الحضارة العربية الإسلامية التي استوعبت ما سبقها من خيرات الحضارات السابقة وأضافت إليه بصمتها الخاصة".
مضيفا:"وبالتالي فإن إعادة التركيز على حقيبة واحدة من التاريخ المصري هو إثارة لفتنة هوياتية يريد الجنرال توظيفها لصرف الأنظار عن أزماته وخاصة أزمة المياه، أيضا في رسم ملامح هوياتية لجمهوريته التي يبشر بها، لكنه حتما سيفشل في مسعاه كما فشل سابقوه. فما استقر في ضمير وتاريخ المصريين عبر مئات بل آلاف السنين لن يستطيع حاكم فرد مهما أوتي من قوة تغييره في سنة أو سنوات، وستظل قضية السد الإثيوبي هي التي تقض مضاجع المصريين، لأن معركة الهوية المفتعلة لن توفر لهم شربة الماء التي يوفرها لهم النيل".
في الوقت الذي يحارب السفاح السيسي كافة مظاهر الدين الاسلامي في مصر، استخلص مستشرقان إسرائيليان بارزان أن الاحتفالات التي نظمتها عصابة الانقلاب سابقاً اثناء افتتاح تفريعة قناة السويس ثم موكب نقل المومياوات الفرعوني من التحرير إلى منطقة الفسطاط، تدلل على أن السفاح السيسي معني بالقضاء على الثقافة العربية والإسلامية لمصر، وإحلال الثقافة الفرعونية محلها.
وفي مقال نشرته صحيفة "هآرتس" في أعقاب الحفل الباذخ لتفريعة قناة السويس سنة 2015م، نوه البروفيسور إيلي فودا، رئيس دائرة الدراسات الشرقية في الجامعة الصهيونية، والباحث في دائرة إليعاد جلعادي، إلى أن طريقة إحياء الاحتفالات الفرعونية تدلل على أن السيسي يريد إعادة مصر بقوة إلى ماضيها الفرعوني.
وأوضح فودا وجلعادي أن ارتداء الفرق الكشفية التي استقبلت السفاح السيسي بالزي الفرعوني، إلى جانب الطابع الفرعوني للرمز الجديد لقناة السويس، يدلل بشكل واضح على اتجاه الأمور بالنسبة لمصر في عهد الانقلاب الحالي.
وأوضح الباحثان أن مصممي "تمثال النهضة" الذي تم نصبه بالقرب من المنصة التي تواجد عليها السفاح السيسي خلال الاحتفال أُغرق بالرموز الفرعونية، مشيرين إلى أن مصممي التمثال حرصوا على تضمينه صورة امرأة ترمز للإله الفرعوني "إيزيس".
ولفت فودا وجلعادي، الأنظار إلى مركزية دور الجيش في إحياء الاحتفالات، مشيرين إلى أن السفاح السيسي يريد من خلال إبراز دور العسكر تكريس مكانته الرائدة في المجتمع المصري.
واعتبر المستشرقان أن السفاح السيسي أسهم من خلال حرصه على ارتداء البزة العسكرية خلال الحفل في تأكيد مركزية الجيش في الحياة المصرية العامة. وشدد جلعادي على أن السفاح السيسي معني بقمع المركبات الإسلامية والعربية المنغرسة بعمق في الهوية المصرية، وأكد الباحثان الإسرائيليان أن الطريقة التي أخرجت بها الاحتفالات تدلل على أن السفاح السيسي لا يسير على الطريق الذي انتهجه عبد الناصر، على الرغم من أن الكثيرين قارنوا في البداية بين السفاح السيسي وعبد الناصر.
وبحسب فودا وجلعادي، فإن عبد الناصر حرص على إضفاء قدسية على المركب العربي في الشخصية والهوية المصرية، في حين أن السفاح السيسي معني بإضعاف هذا المركب لصالح الطابع الفرعوني.

Facebook Comments