وسط اعتراف شعبي ودولي بعجز الدكتاتور عبدالفتاح السيسي عن حماية الأمن القومي المصري والحفاظ على حقوق مصر المائية في أزمة سد النهضة، تمضي إثيوبيا غير عابئة بالسيسي ونظامه العسكري وتهديداته ومناوراته واتفاقاته العسكرية نحو الملء الثاني لسد النهضة في يوليو وأغسطس المقبلين، وسط تآكل قدرات السيسي وتراجع تأثيره الدولي وتضعضع خيارات مصر أمام اثيوبيا بشكل لافت جعلها بلا أنياب، بل وفق ما أكدته "جيوبوليتيكال فيوتشرز" أن مصر باتت بلا خيارات فعلية لوقف إثيوبيا عن خططها بما يخص سدالنهضة.
قمة العجز 

ولعل قمة العجز المصري يتمثل في الصمت المطبق من جانب دوائر الإعلام ودوائر العسكر المنتشية بانتصاراتها الخادعة في فض اعتصامي رابعة والنهضة بإراقة دماء آلاف المصريين ما بين قتيل ومصاب ومختف قسريا، ثم لا ينطقون بكلمة مع إعلان رئيس وزراء اثيوبيا بأن ملء السد سيكوت في يوليو المقبل! وهو ما يؤكد أن السيسي "أسد على الشعب المصري الأعزل نعامة أمام إثيوبيا وأعداء مصر".
ويوم الأحد 18 أبريل 2021م أكد رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد"، أن التعبئة الثانية لسد النهضة ستتم في موعدها خلال فترة هطول الأمطار في يوليو وأغسطس، وذلك رغم المفاوضات مع كل من مصر والسودان حول أزمة السد التي تراوح مكانها دون أن تحقق أي اختراق. وكتب "آبي أحمد"، عبر "تويتر": "تتم التعبئة التالية لسد النهضة فقط خلال أشهر هطول الأمطار الغزيرة في يوليو/أغسطس، مما يضمن الفوائد في الحد من الفيضانات في السودان"، مشيرا إلى أنه "قبل التعبئة الثانية، ستقوم إثيوبيا بإطلاق المزيد من المياه من تخزين العام الماضي من خلال المنافذ المنشأة حديثًا ومشاركة المعلومات".
وأضاف: "إثيوبيا تعتزم تلبية احتياجاتها من بناء سد النهضة وليس لديها أي نية لإلحاق الضرر بدول المصب"، منوها بأن "الأمطار الغزيرة العام الماضي مكنت من نجاح الملء الأول للسد". وزعم رئيس وزراء إثيوبيا أن "وجود السد حال دون حدوث فيضانات شديدة في السودان المجاور العام الماضي".
وتصر أديس أبابا على ملء ثان لسد النهضة بالمياه في يوليو المقبل، حتى لو لم تتوصل إلى اتفاق ثلاثي بشأن السد الواقع على النيل الأزرق، وهو الرافد الرئيسي لنهر النيل. في المقابل تتمسك القاهرة والخرطوم بالتوصل أولا إلى اتفاق حول الملء والتشغيل يحافظ على منشآتهما المائية، واستمرار تدفق حصتيهما السنوية من مياه النيل‎، البالغة 55.5 مليار متر مكعب، و18.5 مليار متر مكعب، على الترتيب.
ومع توقيع السيسي في مارس 2015 اتفاق المبادئ مع إثيوبيا والسودان، أصبحت مصر في مأزق؛ لأن أديس أبابا مصممة على المضي قدما، تاركة للقاهرة خيارات محدودة للغاية. وعندما أعلنت إثيوبيا عن بناء السد في أبريل 2011م، ثم قامت بوضع أساسات السد في 2014م و2015م انخرطت في محادثات مع مصر والسودان، لحل النزاع على حقوق المياه، لكن مصر اتهمت إثيوبيا بعدم التفاوض بحسن نية، وأن الإثيوبيين يحاولون إطالة المحادثات لأطول فترة ممكنة بدلا من التوصل إلى اتفاق.
وفشلت المفاوضات الأخيرة في كينشاسا، تماما مثل محادثات العام الماضي في واشنطن، لأن إثيوبيا رفضت الالتزام باتفاق ملزم على زمن الملء وتشغيل السد. وتريد إثيوبيا الاكتفاء فقط بصفقة حول المبادئ العامة، بما لا يتطلب تقديم تنازلات أو ضمانات، وقد رفضت مطالب مصر بـ 55 مليار متر مكعب من الماء سنويا لأنها ستؤثر على إمداداتها خلال فترات الجفاف، والتي قد تستمر نحو 18 شهرا.
وبالمثل، فإن قلق مصر الرئيسي بشأن السد هو كيف سيؤثر على الإمدادات خلال فترات الجفاف الممتدة. وعرضت إثيوبيا إطلاع مصر والسودان على عملية التعبئة التي ستبدأ في يوليو من خلال مشغلين معينين من قبل البلدين، ولكن مصر والسودان ترى أن هذا بمثابة محاولة لشراء الوقت وفرض حقائق جديدة على أرض الواقع، لأن الاقتراح الإثيوبي لا يحدد المعلومات التي ترغب حكومة أديس أبابا في مشاركتها.
لكن أديس أبابا ليس لديها حافز لتقديم تنازلات؛ حيث أفرجت إدارة "بايدن" بالفعل عن 272 مليون دولار من المساعدات لإثيوبيا والتي تم تجميدها في عهد الرئيس السابق "دونالد ترامب" على إثر رفضها لتوقيع اتفاقية ملزمة مع مصر برعاية الولايات المتحدة. وبالتالي، تسبب فك ارتباط المساعدات المالية بمفاوضات السد، في طمأنة أديس أبابا بأن الولايات المتحدة لم تعطِ الإذن لضربة عسكرية مصرية ضد السد.
وأعرب مستشار الأمن القومي الأمريكي "جاك سوليفان" عن استعداد الولايات المتحدة للمساعدة في حل النزاع. لكن إثيوبيا حريصة على إبعاد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عن المحادثات، مفضلة بدلا من ذلك وساطة الاتحاد الأفريقي فقط، في ظل اعتقادها بأن دول جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية ستتعاطف مع قضيتها وتفهم تصورها لمصر "كقوة استعمارية".

عقبات الخيار العسكري
هددت مصرمرارا وتكرارا باستخدام القوة للدفاع عن حقوقها في النيل. وفي عام 1978، قال الرئيس المصري "أنور السادات" إن القضية الوحيدة التي يمكن أن تدفع مصر إلى الحرب هي المياه. وفي وقت سابق من هذا الشهر، حذر "عبد الفتاح السيسي" من أن عرقلة وصول مصر إلى النيل سيؤدي إلى "عدم استقرار في المنطقة بشكل لا يتصوره أحد".
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، وقعت مصر اتفاقيات تعاون عسكري مع 3 دول على ضفاف نهر النيل؛ هي السودان وأوغندا وبوروندي. وتستطيع القوات الجوية المصرية من الناحية النظرية أن تضرب السد، حيث رفعت الولايات المتحدة الفيتو الخاص بها عن شراء مصر لصواريخ "SCALP-EG" من فرنسا.
وتحتاج طائرات "الرافال" في رحلة القصف إلى طائرات مقاتلة مرافقة، مثل طائرات "SU-35" والتي تلقت مصر 5 منها. ومع ذلك، فقد تواجه القوات الجوية المصرية مشكلة في دمجها في ترسانتها. وبالرغم من حجم القوات الجوية المصرية، فإن معظم أسطولها عفا عليها الزمن، وتقل لديها جدا الطائرات القادرة على تنفيذ مثل هذه العملية المعقدة.
وستحتاج مصر إلى دعم السودان لاستهداف السد، لكن السودان غير راغب بالدخول في حرب، ومع أن مصر والسودان عقدتا تدريبين جويين مشتركين يحاكيان هجومًا على أهداف العدو، إلا أن الهجوم على السد غير مرجح.
وقال مسؤولون من كلا البلدين إن جميع الخيارات مطروحة لحل النزاع، ولكن الملاذ الأخير بالنسبة للسودان هو الذهاب لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فقد استبعد وزير خارجية السودان الحل العسكري قائلا إنه يجب استنفاد جميع الخيارات الدبلوماسية.
وتسبب السيسي بإضعاف موقف مصر التفاوضي من خلال توقيع إعلان المبادئ المثير للجدل عام 2015، والذي عرض تعويضات على بناء السد لبلدان المصب. فمن خلال توقيع الاتفاقية، اعترفت مصر بحق إثيوبيا في ملء خزان السد وأضعفت حقها في الاعتراض.
وطلب وزير خارجية الانقلاب من نظيره الروسي التدخل ومنع إثيوبيا من اتخاذ قرارات منفردة يمكن أن تؤثر على إمدادات المياه لمصر، بالرغم من معرفته أن أديس أبابا تعارض الوساطة الأجنبية. وألقى "السيسي" باللوم في أزمة المياه على ثورة 2011 التي أطاحت بنظام "مبارك"، زاعما أن إثيوبيا لم يكن بإمكانها بناء السد لولا الثورة. لكن الحقيقة هي أن خطط السد تعود إلى عام 2001، وأن مصر درست بالفعل عواقب بناء السد في عام 2009، عندما شكلت لجنة تقييم حالة شملت ممثلي وزارات الدفاع، والشؤون الخارجية والداخلية والموارد المائية والكهرباء.
والواقع الآن، أن بناء السد وصل لنقطة لا رجعة عنها، وباعتبار مصر دولة مصب، فليس لديها خيار عدا إبقاء قنوات التواصل مفتوحة. وفي حين أظهر الزعماء الإثيوبيون من "هيلا سيلاسي" إلى "آبي أحمد" عزمًا على إدارة الموارد المائية في بلدهم، فقد فشل القادة المصريون من "عبدالناصر" إلى "السيسي" في حمايتها.

Facebook Comments