نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا سلطت خلاله الضوء على إهدار سلطة الانقلاب في مصر ملايين الدولات على موكب نقل المومياوات، ورغم ذلك لم يكن للموكب دور في تنشيط حركة السياحة، بعد أن وجه وباء كورونا ضربة قاسية لها. وقال التقرير، الذي ترجمته "بوابة الحرية والعدالة" إن علم المصريات يمر بمرحلة مهمة عقب إعلان علماء الآثار هذا الشهر أنهم اكتشفوا مدينة فرعونية قديمة قرب مدينة الأقصر تعود لأكثر من ٣٤٠٠ عام.
نقل ٢٢ مومياء ملكي
وأضاف التقرير أن هذا الاكتشاف جاء بعد أيام فقط من نقل ٢٢ مومياء ملكية إلى متحف جديد في مشهد تم الإنفاق عليه ببذخ وإسراف وتم بثه في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى ذلك، فإن اكتشاف ٥٩ تابوتا محفوظا بشكل جميل في سقارة هو الآن موضوع فيلم وثائقي من Netflix؛ وتم العثور على تمثال للإله نفرتوم في سقارة؛ وأعيد فتح هرم زوسر البالغ من العمر ٤٧٠٠ سنة في العام الماضي بعد إعادة ترميم بلغت قيمتها ٦.٦ مليون دولار في ١٤ سنة؛ كما أن هناك خطوات سريعة لافتتاح المتحف المصري الكبير.
أوضح التقرير أنه على الرغم من ذلك وجه وباء كورونا ضربة قاسية لصناعة السياحة، وما كان من المتوقع أن يكون موسما من الوفرة أصبح شتاء قاتما.
وأشار التقرير إلى أن السياحة جزء مهم من الاقتصاد المصري، بلغت عائدات السياحة العالمية ١٣ مليار دولار في عام ٢٠١٩، وكانت البلاد حريصة على جذب الزوار إلى مواقعها الأثرية.
ومع القيود المفروضة على السفر، وإغلاق الحدود، وانخفاض القدرة في الفنادق، انخفض عدد الزوار الدوليين إلى مصر بنسبة ٦٩ في المائة في الأشهر الثمانية الأولى من عام ٢٠٢٠ وحده، في حين انخفضت الإيرادات بنسبة ٦٧ في المائة في الفترة نفسها، وفقا لمنظمة السياحة العالمية.
الفشل السياسى
وقال زوراب بوليكاشفيلي أمين عام منظمة السياحة العالمية، إن السياحة في مصر تواجه الآن أكثر من أي وقت مضى "تحديا غير مسبوق".
وتأثرت السياحة المصرية في السنوات الأخيرة سلبا بسلسلة من المصائب، بدءا من عدم الاستقرار السياسي الذي أعقب ثورة عام 2011 والهجمات الإرهابية من حين لآخر، بما في ذلك الهجمات على السياح، وتفجيرات القنابل التي ألحقت أضرارا بمتاحف بارزة، وسقوط طائرة روسية مما أسفر عن مقتل مئات السياح الروس في عام 2015.
ولكن هذا القطاع كان يتعافى بشكل مضطرد، حيث جذبت الآثار وعروض الشمس والبحر الزوار ، وارتفع عدد السياح إلى أكثر من ١٣ مليون زائر في عام ٢٠١٩ من ٥. ٣ مليون زائر في عام ٢٠١٦، وقد تسبب وباء فيروس كورونا في تراجع هذه المكاسب، فأصبحت الفنادق والمنتجعات والرحلات الجوية خالية، وأصبحت المواقع الشعبية بلا زوار أو إيرادات، وتراجعت دخول آلاف المرشدين السياحيين والبائعين وبعضهم أصبح بلا دخل على الإطلاق.
وقال عمرو كريم المدير العام لشركة ترافكو ترافل السياحية، وهي واحدة من أكبر شركات السياحة في مصر، في مقابلة هاتفية مع الصحيفة الأمريكية: "لقد مرت السياحة في مصر بواحدة من أفضل سنوات عام ٢٠١٩، ثم جاء الوباء الذي أثر بشدة على كل شيء"، "لم يكن أحد يعلم ماذا قد يحدث، وكيف سنتعامل معه، وكيف سيؤثر علينا إنه لأمر غريب".
وأوضح أن الوباء عطل حركة الشركات السياحية وسعر طرودها وكيفية التعامل مع الفنادق والالتزام باللعب الجديد.
هشاشة الرعاية الصحية
كما كشف الوباء عن هشاشة نظام الرعاية الصحية في مصر، حيث يشكو الأطباء من نقص معدات الوقاية والأدوات الطبية المخصصة للاختبار، بينما يموت المرضى بسبب نقص الأكسجين ومع وفاة أكثر من 12 ألف شخص، سجلت مصر أيضا واحدة من أعلى معدلات الوفاة بسبب الفيروس في العالم العربي.
ومع تزايد عدد الحالات، حذر مسؤولو الصحة في حكومة الانقلاب مؤخرا من موجة ثالثة من الفيروس، كما ألغت سلطات الانقلاب التجمعات والمهرجانات الكبيرة، وتوعدت بفرض غرامة على الذين لا يلتزمون بتدابير الحماية مثل ارتداء القناع، ولكن العديد من المصريين لا يلتزمون بهذه القواعد.
ويلزم على المسافرين إجراء اختبار سلبي Covid-١٩ قبل ٧٢ ساعة من وصولهم إلى مصر، كما أن الفنادق مخولة بالعمل بنصف طاقتها. ولم تؤثر الأزمة على الشركات الكبرى فحسب؛ بل وأيضا الشركات الأصغر حجما التي بدأت تراهن بشكل كبير على صناعة السياحة المتنامية.
وقالت الصحيفة: أسست باسنتي عاصم وكالة "لماذا لا نأتي إلى مصر؟" وهي وكالة سفريات تجارية، في عام ٢٠١٧ من خلال إجراء مقابلات مع المسافرين المحتملين وتخصيص مواعيد الرحلة بالنسبة لهم. ولكن بعد بدء الوباء، قام معظم زبائنها من أستراليا وكندا والولايات المتحدة بإلغاء مخططاتهم، مما دفعها لتعليق العمل في الوقت الراهن.
وقد أعطتها هذه التجربة انطباعا بأن "السياحة ليست مستقرة على الإطلاق"، "لا يمكن أن تكون المصدر الوحيد للدخل، يجب أن يكون لدي مصدر دخل جانبي"، وهي الآن تعمل مديرة لشركة تحاول إحياء وحفظ الصناعات التقليدية المصرية.
ومع تقلص الحجوزات، تدخلت حكومة الانقلاب للتخفيف من حدة الضربة على قطاع السياحة وقد اتخذت مجموعة من التدابير منها السماح لبعض الشركات التي تعتمد على السياحة مثل الفنادق والمنتجعات بتأجيل دفع فواتير المرافق، وإعادة جدولة تسديد الديون وتقديم المساعدات المالية للعاملين في قطاع السياحة.
خفض تأشيرات السياحة
كما سعت مصر إلى جذب المسافرين من خلال خفض تكلفة تأشيرات السياحة ورسوم الدخول للمواقع الأثرية، كما وضعت برامج تهدف إلى زيادة السياحة الداخلية لتعويض النقص في السياح الأجانب، وأطلقت عرضا ترويجيا في فصل الشتاء يتضمن خصومات للمصريين على السفر إلى الداخل، وعلى الفنادق وزيارة المتحف.
لكن أحمد سمير، الرئيس التنفيذي لشركة "مصر تورز بورتال" السياحية، قال إن الدعم النقدي المباشر للعاملين في قطاع السياحة كان ضئيلا، ومع انخفاض الحجوزات، تمكن من إبقاء موظفيه في قسم التسويق ووسائل التواصل الاجتماعي على كشوف المرتبات ولكن بنصف الراتب، مضيفا "كنوع من التعاطف مع الموظفين، حاولنا الموازنة"، ولكنه أضاف قائلا: "رغم ذلك أغلقت أغلب شركات أصدقائي أبوابها بالكامل".
وقد أدى تباطؤ عدد السياح الوافدين إلى هدوء المناطق التي يغمرها السياح عادة. ونقلت الصحيفة عن محروس أبو سيف، مرشد سياحي في المتحف المصري قوله "ماذا يمكنني أن أقول لكم؟ نحن نجلس هنا وننتظر. "نحن لا نعرف ما يخبئه المستقبل".
على الجانب الآخر من المدينة، في مقهى الفيشاوي التاريخي ، جلس بعض السكان المحليين وأمامهم زجاجات المياه وأكواب الشاي بالنعناع أو القهوة التركية، وهم يسمعون القرآن الكريم من أحد المساجد القريبة، يذكر أن المقهى الذى يقع فى سوق خان الخليلى منذ قرون ، ومعه محلات الهدايا التذكارية والمجوهرات ، تعرض لضربة شديدة من الوباء.
يقول محمد سعيد ريحان، مرشد في إحدى الشركات المحلية، عن المقهى: "كنت أحضر الناس إلى هنا، وكان ذلك مكتظا، ولكن انظر إليه الآن". "الوباء مشكلة كبيرة".
وأضاف ريحان إنه يعرف العديد من الزملاء والأصدقاء الذين اضطروا للبقاء في منازلهم لعدة أشهر دون دخل أو الذين غادروا الصناعة تماما، ولكنه ما زال يتمسك بخيط من الأمل في أن تستعيد السياحة عافيتها قريبا، وبالفعل بدأ بعض السياح بالعودة.
على الرغم من أنه سيكون من الصعب الوصول إلى أرقام ما قبل الوباء بسرعة، فإن الناس مثل عمرو كريم المدير العام لشركة ترافكو ترافل السياحية الذي يعمل في هذه الصناعة يأملون أن يعود السياح مع نهاية العام.
وأضاف أنه مع كل الاكتشافات الجديدة والتجديدات والافتتاح المخطط للمواقع والمتاحف الجديدة، سيتوافد السياح تدريجيا إلى مصر، مضيفا "سوف يبدأ الناس في التحرك. وسيبدأ الناس بالسفر. "أنا متفائل".