في حوار من الفنتازيا السياسية التي لا تمت للواقع بصلة، وفي ظل محاولات من أجهزة استخباراته لتجميل صورته القبيحة في الغرب، التي باتت اسوأ ما يمكن وصفها، بفعل سياساته ومواقفه الوحشية من الحريات ومن الحقوق الأساسية للإنسان، بجانب العسكرة والتغول العسكري على كل ما هو مدني، وما يحويه من فساد للركب لا يمكن إنكاره في الخارج والداخل، جاء حوار قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، مع صحيفة "دى فيلت" الألمانية، الذي نشر الأحد 25 أبريل 2021م، كدعاية لنظامه المستبد في وقت يلقى الضغوط من إفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، جراء سياسات الغشم الحقوقي والعته السياسي والفشل الاقتصادي.
بدا ما يطرحه السيسي في حواره أقرب إلى الخيال ومثيرا للسخرية، حيث حذر فيه السيسي من الانقلاب على النظام، رغم أنه جاء بانقلاب عسكري دام دانه القاصي والداني، واصفا مسرحية 30 يونيو أنها لم تكن من أجل حرية التعبيروإنما من أجل العيش وتحصيل المعيشة الكريمة، وهي طريقة "كرنب زبادي"، إذ إن تمثيلية 30 يونيو لم تكن إلا تحريضا من الجيش لخلق غطاء لتحركه الغاشم والدموي للوصول للسلطة عبر الدبابة وليس صندوق الانتخاب.
واعتبر السيسي أن الأمن لا ينبغي أن يأتي على حساب الحرية حتى في بلد يعيش ظروفا صعبة مثل مصر، نافيا حبس أي شخص في مصر بسبب آرائه السياسية، على حد قوله. وهو ما يتصادم مع اعتقال أكثر من 60 ألف مصري بسبب آرائهم السياسية، سواء على شبكات التواصل أو الصحفيين أو عبر التظاهر السلمي المكفول في كافة دساتير العالم، بل إن تجبر السيسي وحربه ضد أصوات المصريين ومطالباتهم بالحرية واحترام كرامتهم الإنسانية هو ما دفعه لبناء 30 سجنا خلال سنوات حكمه لاستيعاب عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، في وقت يتزايد فيه العفو الرئاسي والإفرج الشرطي عن السجناء الجنائييين والذين بات السيسي يعتمد عليهم في كافة تحركاته، سواء الدولية بالتدليل على انفراجة سياسية تعايشها مصر، أو استخدامهم في قمع معارضيه في الشوارع، كتنظيمات مسلحة من البطجية وأرباب السوابق والإجرام يجري توظيفهم لخدمة أجندة النظام. وهو ما جرى أثناء ثورة يناير وخلال المرحلة الانتقالية ثم في مرحلة الانقلاب والاعتداءات التي طالت مقرات الإخوان وحزب الحرية والعدالة.
وزعم السيسي أن " "النقد مسموح به للجميع، لكن يجب أن يكون نقدا بناء وليس تحريضا"، مشددا على أن الاستقرار مهم للغاية، خاصة في بلد مثل مصر يبلغ تعداد سكانه 100 مليون نسمة ويشكل الشباب أكثر من 60% منه.. هذه التصريحات تؤكد ازدواجية المعايير لدى السيسي، الذي ظل وإعلامه العسكري يحرض على الانقلاب على الرئيس المنتخب بإرادة الشعب لأكثر من عام.
ويزعم السيسي أن ما يسري في مصر حاليا يثير استياء جماعة الإخوان المسلمين، التي وصلت إلى السلطة عقب مساع دامت 90 عاما ثم ثار عليها الشعب بعد عام واحد من توليها السلطة، على حد تعبيره، مدعيا أن الجماعة تحاول لذلك نقل انطباع سلبي عن حالة حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية في مصر، بغرض تشكيل ضغط أوروبي على مصر. وفي هذا التعريض جهالة وسفاهة وكأن الدوائر الأوروبية والغربية والأمريكية التي تصدر تقارير إدانه لسجلات السيسي السياسية والحقوقية لا تعتمد إلا على كلام الإخوان المسلمين، وهو تبسيط مخل لقواعد تعاطي الدول، إذ إن دول العالم لديها أجهزة رصد وتحليل ولا تعتمد إلا على ما تتابعه هي بأجهزتها، ولا تعتمد على تقارير أي جهات أخرى.

ولعل حديث السيسي عن أن بقاء الإخوان لمدة 90 عاما من أجل الوصول للسلطة -حتى لو اختزلنا دورها الدعوي والفكري في المجتمع المصري- لهو درس له ولعسكرييه وانقلابييه الذي لم يتحملوا أن يحكموا أكثر من عام، لتاكدهم أنهم لو بقوا في مدتهم في الحكم فسيحققون نجاحات لم تكن يحلم بها العسكر وستكون سببا في تعلق الشعب بهم، وكما يقول الخبراء والمراقبون "إن العسكر لو رأوا جماعة الإخوان والرئيس مرسي سيفشلون في حكم البلاد كانوا قد تركوهم عبرة للتاريخ وحتى يلفظهم المصريون للأبد"، ومع ذلك يواصل السيسي الأكاذيب، قائلا: "لكنني أريد إخراج المصريين من موقف صعب حتى لا تنهار مصر مثل دول أخرى، نريد أن نصبح دولة دستورية، كل ما في الأمر أننا دولة يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة وعلينا أن نواجه واقعا قاسيا". وهو ما يتصادم مع قواعد السياسة بالاساس، لأن السيسي هو من دمر دستور البلاد وأتى بدستور جديد في 2014 ثم قام بتعديله في 2018م، ثم قام بانتهاكه وتحريفه والافتئات عليه وكفر بقواعده التي فصلها على مقاسه، وأطاح بكل المكتسبات الدستورية، وحول الحكم إلى حكم شخصاني، جعل شخص واحد متحكم في كل شيء ولا ينازعه أحد، وأطاح برؤوساء الأجهزة الرقابية وبقي هو الحاكم بأمره، الذي يرى ما لا يراه غيره! ولكن الغريب ان السيسي يسعى لإقامة دولة دستورية، فماذا عن الدولة القائمة حاليا؟ هل هي دولة بوليسية؟ أم دولة باذنجانية؟ أم شبه دولة بنص كلامه أكثر من مرة.

على طريقة متسولي المترو
وقال موجها حديثه للسيدة التي تجري معه الحوار بالصحيفة: "لقد قطعت بلادك شوطا طويلا وهي الآن من بين أغنى البلدان في العالم.. مصر بعيدة عن ذلك". وواصل "السيسي" موجها حديثه للمحاورة: "هل أوروبا مستعدة لمساعدتنا حتى نتمكن أيضا من الحصول على نفس المستوى من التعليم كما هو الحال في أوروبا؟ أو نظام صحي جيد مثل نظامك؟ لم ينزل الناس في بلادنا إلى الشوارع من أجل حرية التعبير، بل ليتمكنوا من العيش". وهو أسلوب المستولين في المترو الذين يقصون قصص وحكايات بعيدة ثم ينتقلون مباشرة إلى طلب المساعدة وأخذ ما بيد المواطن. هذا الأسلوب هو نفسه الذي تحدث به مع الفرنسيين خلال زيارته لفرنسا، وكأن على دول العالم أن تساعد مصر في تطوير التعليم والصحة والسكن وغيره من مجالات الحياة، حتى يتمكن السيسي من تحقيق الحرية واحترام حقوق الإنسان! وهو ما لا يمكن أن يرد عليه إلا كما كان يردد إعلامه وقت الأزمات التي كان العسكر يفتعلونها أيام حكم الرئيس مرسي، "مش أد الشيلة سيبها يادكتور مرسي"!! ونسي السيسي أن دوره هو الارتقاء بالإنسان المصري صحيا وتعليميا واجتماعيا وحقوقيا وتوفير العيش الكريم واحترام إرادته وحرياته وحقوقه الإنسانية.
وعلى طريقة مبارك، "إما أنا أو الفوضى"، قال السيسي "ما لا يقل عن مليون شاب وشابة في مصر يدخلون سوق العمل كل عام.. فمن أين تأتي هذه الوظائف؟ مشددا على أنه لا يمكن خلق تلك الوظائف إلا إذا استقر الوضع الأمني، وإلا فستنتشر الفوضى كما هو الحال في دول أخرى في المنطقة" وذلك على الرغم من عدم تصديق رقمم المليون وظيفة التي يتحدث عنها السيسي كل عام ، لأن أرقام التوظيف معروفة في مصر ولا تزيد عن 100 ألف وظيفة سنويا، فيما تزداد أعداد البطالة سنويا بجانب اغلاق المصانع والشركات بصورة مستمرة اثر سياسات السيسي القهرية والغبية في ان واحد، من سيطرة العسكر على الاقتصاد بنسب تتحاوز 60% ..

الهجرة غير الشرعية
وبنفس منطق البلطجية وقاطعي الطرق، لجأ السيسي لتخويف الأوربيين من الورقة التي تقلقهم، وهي ورقة المهاجرين غير الشرعيين، قائلا: "لا يمكن خلق الوظائف إلا إذا ساعدتنا أوروبا في بناء الصناعات، حتى لو كانت تنافس صناعاتها"، مضيفا أن أوروبا لا يمكنها استقبال كل مهاجر غير شرعي. ويزعم السيسي أننا "منذ سبتمبر 2016، استطعنا منع المهاجرين غير الشرعيين من اقتحام أوروبا من مصر، وكان من المهم بالنسبة لنا ألا يتأثر أمن أوروبا نتيجة لذلك". وهو ما يؤكد أن السيسي يبتزهم بالفعل لكن على طريقة "كيد النسا"! ولمزيد من الابتزاز، أضاف السيسي "في نفس الوقت لدينا 6 ملايين لاجئ في مصر من بينهم 500 ألف لاجئ من سوريا بالإضافة إلى عدد كبير من العراق واليمن والسودان وليبيا وإثيوبيا ودول أفريقية أخرى، ويرى الكثير منهم مصر دولة عبور فقط، لكننا لن نسمح لهم بالمضي قدمًا". وتابع: "إن اللاجئين فى مصر يعتبرون ضيوفًا ويتلقون نفس المعاملة التي يحصل عليها المصريون.. نحن نقدم لهم ما في وسعنا، حتى لقاحات كورونا، ونحن ليس لدينا أي مخيمات للاجئين في مصر.. حيث يعيش اللاجئون هنا داخل المجتمع المصري".
..وهكذا يأتي حوار السيسي في إطار التسول والابتزاز والترويج لنظامه الانقلابي وتبرير انتهاكاته لحقوق الإنسان وإيصال صورة منمقة عن أوضاع المعيشة والحقوق والحريات في مصر. إلا أن الحوار يعبر عن حجم كبير من ورطة السيسي ونظامه في معالحة أزمات إدارة البلاد التي حولها لعزبة عسكرية، تتخبطها الأوضاع المزرية والأزمات السياسية والإنسانية، وسط شبه مقاطعة من دول العالم التي أيقنت حقيقته الاستبدادية، وبدت تتعامل معه بنظام القطعة لتحقيق مصالحها فقط وليس لبناء علاقات متينة مع نظامه أو خلق تعاون وبناء جدار من الثقة معه، وهو ما تعبر عنه اليونان وفرنسا في مسار علاقتهما معه لتحقيق مصالحهما في البحر المتوسط وفقط، بينما تتباعد الإدارة الامريكية الجديدة عنه وتصنفه بأنه مستبد يتسبب لها وللعالم بكم كبير من الأزمات والكوارث.

Facebook Comments