مرت يوم الاثنين الماضي الذكرى السنوية الـ 540 لوفاة السلطان محمد الفاتح، فاتح القسطنطينية، وحامل البشارة النبوية الشريفة، وهو سابع سلاطين الدولة العثمانية، كتب الكثير من المؤرخين عن عهده الذي اعتبروه نقطة انتقالية من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة.
وتعرض تاريخ الدولة العثمانية لحملة ممنهجة لتشويهه، ووصفه بالهمجية، والبعد عن الحضارة والقيم الإنسانية من قبل إعلام السفاح عبد الفتاح السيسي، وخصوصا فيما يتعلق بفتح القسطنطينية وسيرة السلطان محمد الفاتح.
ولا يزال هذا الهجوم الممنهج مستمرا وظهر في أبشع صورة حاقدة في مسلسل "ممالك النار" الذي عرض في رمضان من العام الماضي 2020، وانتجته شركة "سينيرجي" الذراع السينمائي للمخابرات، وملأ بالأكاذيب والاختلاق والإفك العظيم وادعائهم أن السلطان محمد الفاتح قتل أخيه الرضيع حتى لا ينافسه على سلطانه، في حين أنه لم يبلغ من العمر ستة أشهر!

سلطان وفقيه
ولد السلطان محمد الفاتح في 30 مارس عام 1432 في مدينة أدرنه التي كانت عاصمة الدولة العثمانية يومها، والده السلطان مراد الثاني، أتم الفاتح حفظ القرآن الكريم، ثم قرأ الحديث وتعلم الفقه، كما درس الرياضيات والفلك وأساليب الحروب.
تعلم الفاتح لغادة عدة هي اللغات العربية، الفارسية، اللاتينية، واليونانية، وامتاز بشخصية فذة جمعت بين القوة والعدل، في 18 فبراير عام 1451 تولى السلطان محمد الفاتح عرش السلطنة العثمانية وهو ابن الحادية والعشرين من عمره.
من أعظم ما قام به السلطان محمد الفاتح، فتح مدينة القسطنطينية، وهو الحدث الذي يعد نقطة تحول في مسار تاريخ البشرية، انتظر المسلمون ثمانية قرون ونصف قرن حتى تحققت البشارة التي بشر بها النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في حديثه “لتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْش”، رواه الحاكم والإمام أحمد بإسناد صحيح، وصححه الحاكم النيسابوري، صاحب المستدرك على الصحيحين، وصححه الحافظ الذهبي، تلميذ ابن تيمية.
في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني يقول: نعم لقد تحقق فتح القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح، الحديث هذا رواه بشير الخثعمي، ونقله المحدث البوصيري، وخلاصة حكم المحدث في كتاب “إتحاف الخيرة المهرة” أن رواة هذا الحديث ثقات.

فتوحات مترامية
ولم تقتصر فتوحات محمد الفاتح على القسطنطينية فقط، بل قام بتحويل ولاية الصرب البلقانية إلى ولاية عثمانية، وفتح بلاد المورة جنوبي اليونان، وجزر بحر إيجه، وفتح بلاد الأفلاق جنوبي رومانيا، وفتح بلاد البوسنة والهرسك، ثم استكمل فتح ألبانيا، وحاول فتح بلاد البغوان غربي رومانيا وإيطاليا ولكنه لم ينجح، كما أدخل شبه جزيرة القرم تحت السيطرة العثمانية.
كان محمد الفاتح شجاعا ذكيا ذا عزم وإصرار وهمة تناطح قمم الجبال، عمل لهدف وضعه نصب عينيه، ولم يبال بالصعاب والمشاق، فحاز الشرف، ونال قصب السبق رغم تأخر زمانه عن أقارنه، ونال الفتح العظيم، وظل طوال حياته ناصحا للإسلام وأهله.
حكم السلطان محمد الفاتح 30 عاما، وتوفي عن عمر ناهز 46 عاما، وذلك في 3 مايو عام 1481، وصل خبر موت السلطان إلى البندقية بعد 16 يوماً، جاء الخبر في رسالة البريد السياسي إلى سفارة البندقية في القسطنطينية، بجملة واحدة: "لقد مات العقاب الكبير".
وانتشر الخبر في البندقية ثم في باقي أوروبا، وراحت الكنائس تدق أجراسها مدة ثلاثة أيام بأمر من البابا، إضافة إلى تأديتهم صلاة الشكر، وكان لموته دوي هائل في أوروبا، التي تنفست الصعداء عندما علمت بوفاته.
دُفن السلطان محمد الفاتح في المدفن المخصوص الذي أنشأه في أحد الجوامع التي أسسها في إسطنبول، وسُمّي الجامع باسمه "جامع الفاتح"، ويقصده المسلمون من جميع بقاع الأرض لزيارة ضريحه، كما يقصده السياح، وترك الفاتح وراءه سمعة مهيبة في جميع أصقاع الأرض، وحقق في حياته مع الفتوحات، الكثير من الإنجازات اﻹدارية الداخلية.

وصية الفاتح
يظهر لنا الواقع الدستوري الإسلامي والمبدأ الراسخ في مسيرة هذا السلطان العظيم بصورة جلية وواضحة، فهو أوصى ابنه بايزيد الثاني وهو على فراش الموت بوصية تاريخية خالدة، وهي تعبّر أصدق التعبير عن منهجه في الحياة وقيمه ومبادئه التي آمن بها، والتي وصى خلفاءه في الدولة من بعده أن يسيروا عليها، وقد جاء فيها:

– كن عادلاً صالحاً رحيماً وابسط على الرعية حمايتك دون تمييز واعمل على نشر الدين الإسلامي فإن هذا واجب الملوك على الأرض.
– قدم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء ولا تفتر في المواظبة عليه ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين ولا يجتنبون الكبائر وينغمسون في الفحش وجانب البدع المفسدة وباعد الذين يحرضونك عليها.
– وجاء في وصيته: بما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فعظم جانبهم وشجعهم وإذا سمعت بأحد منهم في بلد آخر فاستقدمه إليك وأكرمه بالمال.
– وجاء فيها: لا يغرنك المال ولا الجند وإياك أن تبعد أهل الشريعة عن بابك وإياك أن تميل إلى أي عمل يخالف أحكام الشريعة، فإن الدين غايتنا والهداية منهجنا، وبذلك انتصرنا.
أشف إلى ذلك أنه كان من المرجعيات الكبرى في عهد السلطان محمد الفاتح الشيخ آق شمس الدين، وهو من أصول عربية قرشية اسمه محمد بن حمزة وجده الأكبر أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان السلطان محمد الفاتح يجله ويحترمه ويشعر بهيبته عند الوقوف أمامه وشديد الفرح لوجوده في عصره بل عبَّر عن ذلك بقوله: إن وجود محمد بن حمزة في عصري أحب إليّ من فتح القسطنطينية".
ويستحيل على هذا العالم الرباني في مكانة علمه ومنزلته أن يسمح بقانون يسمح للسلطان بقتل إخوانه ولو كانوا رضعاً كما زعم الكذابون ومعهم إعلام السفاح عبد الفتاح السيسي وجريدته "اليوم السابع" والتي نشرت أكاذيبها تحت عنوان (محمد الفاتح أم القاتل.. قتل أخيه وذبح ملايين البشر أبرز جرائم الغازى العثمانى)، هؤلاء عملاء الغرب الذين أكلهم الحسد والبغضاء لما وفق الله للسلطان الفاتح في خدمة الإنسانية وقيمها الرفيعة كالعدل ومناصرة الحق والوقوف مع المظلومين ودحر الظالمين.

Facebook Comments