مرت قبل أيام ذكرى حرب العاشر من رمضان 1393هــ (السادس من أكتوبر 1973م)، والتي تزامنت مع ذكرى تحرير سيناء في 25 أبريل، وبعدها بيومين فقط (الإثنين 27 أبريل 2021م) رحل عن عالمنا الشيخ حافظ سلامة، قائد المقاومة الشعبية بالسويس" عن عمر يناهز 92 عاما حافلة بالجهاد وذلك بعد إصابته بفيروس كورونا؛ حيث نقل إلى من السويس لمستشفى جامعة عين شمس بعد تدهور حالته الصحية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
الملاحظة المهمة أن سيناء لم ترجع لمصر كاملة؛ فهذه أكاذيب يروجها النظام العسكري فلا تزال حتى اليوم أم الرشراش (إيلات) محتلة، وفي أبريل 2016م فرَّط الطاغية عبدالفتاح السيسي في جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية وبذلك تحول مضيق تيران من مضيق "مصري خالص" إلى ممر دولي لا يحق لمصر غلقه أمام الملاحظة الإسرائيلية حتى لو كانت في مرحلة عداء سافر مع مصر. وهو ما أتاح لإسرائيل التفكير في حقر قناة موازية لقناة السويس وبديلة لها ما يهدد الأمن القومي المصري في الصميم.

تزييف الوعي 

معنى ذلك أن هناك جملة من الحقائق الدامغة التي تسعى الآلة الإعلامية التابعة لنظام مصر العسكري إلى طمسها عبر تكثيف الأعمال الفنية والدرامية والإعلامية، في إطار حملات الدعاية الممنهجة والتي ينفق عليها بسخاء بالغ من أجل المبالغة الشديدة في تمجيد العسكرية المصرية والعمل على تحويل هزائمها المذلة إلى نكسات ونكساتها إلى انتصارات وفشلها إلى نجاح وفسادها واستبدادها وخيانة بعض قادتها إلى منتهى الوطنية والانتماء؛ فهزيمة 5 يونيو 1967 المذلة تحولت إلى "نكسة" في محاولة للتقليل من مرارتها، أما حرب أكتوبر فالإعلام يتوقف عند الأسبوع الأول منها فقط والذي عبرت خلاله قواتنا المسلحة قناة السويس وحطمت خط بارليف وأنزلت بالعدو الصهيوني هزائم مذلة؛ لكن الأسبوع الثاني وما تلاه فلا ذكر له حيث أمر الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بتوسيع الهجوم البري خارج غطاء مظلة صواريخ الدفاع الجوي رغم المعارضة الشديدة من رئيس الأركان اللواء سعد الدين الشاذلي وقادة الجيشين الثاني والثالث؛ ما أدى إلى خسائر فادحة وخسرت مصر مئات الدبابات في أيام قليلة ثم حدثت ثغرة الدفرسوار وتمكن العدو أيضا من عبور قناة السويس ثم حصار محافظة السويس؛ ولولا المقاومة الشعبية التي حالت دون احتلال المدينة لما كان هناك أي معنى لوصف أكتوبر بالانتصار، ورغم ذلك اختفت أي إشادة بالدور الشعبي في مقابل المبالغة الشديد في تمجيد الدور العسكري!
تزييف الوعي يمتد إلى حقائق دامغة بشأن تحرير سيناء التي بقيت محتلة 9 سنوات كاملة بعد حرب أكتوبر73، وعندما غنت الفنانة شادية أغنية «مصر اليوم في عيد» في أول احتفال بتحرير سيناء في 25 إبريل 1982م على مسرح القوات المسلحة بالزمالك في حضور الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ولفيف من القيادة السياسية والعسكرية، ، روجت الأغنية التي كتبها عبدالوهاب محمد ولحنها جمال سلامة، أن "سيناء رجعت كاملة لينا"، رغم أنه وقت الاحتلال لم تكن مصر حررت طابا بعد والتي تحررت بالتحكيم الدولي في 30 سبتمبر 1988، وتسلمتها مصر فعليا في مارس 1989م، ولا تزال قطعة عزيزة من أرض مصر محتلة منذ 1949م حتى اليوم وهي "أم الرشراش" التي يطلق عليها الكيان الصهيوني "إيلات"، وحتى اليوم يحتفل النظام العسكري بتحرير سيناء ولا تزال أم الرشراش محتلة، وفي إبريل 2016م تنازل النظام العسكري عن جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية وبذلك بات قطعتان عزيزتان من أرض مصر محتلتين ورغم ذلك لا يزال النظام العسكري يروج الأكاذيب بأن "سينا رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد"؛ فعن أي عيد يتحدثون!
الملاحظة الثانية الجديرة بالتذكير أن الشيخ حافظ سلامة (1925ــ 2021) الذي قاد المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي في حرب 73 كان أزهري النشأة، حيث بدأ تعليمه بكتاب الحي ثم الابتدائية الأزهرية وأخذ في تثقيف نفسه في العلوم الشرعية والثقافة العامة ودروس العديد من العلوم الدينية ثم عمل في الأزهر واعظا حتى أصبح مستشارا لشيخ الأزهر للشئون المعاهد الأزهرية حتى سنة 1978م، ثم أحيل للتقاعد. خلال حياته انتسب الشيخ للعمل الخيري مبكراً، وشارك في العديد من الجمعيات الخيرية في السويس، وكان له دور اجتماعي وسياسي ونضالي بارز حيث ساهم في دعم المقاومة والمشاركة في العمليات الفدائية والتعبئة العامة للفدائيين ضد الاحتلال الإسرائيلي.

النضال الوطني 

الملاحظة الثالثة أن الشيخ حافظ سلامة كان ابن التيار الإسلامي وتربى على أفكار ومبادئ جماعة الإخوان المسلمين، حيث ساهم الشيخ في دعم المقاومة الفلسطينية سنة 1944م بتوفير حجارة الولاعات التي تستخدم في صناعة القنابل اليدوية، وقبض عليه وحكم عليه بالسجن 6 شهور لكنه خرج بعد شهرين فقط بعد وساطة من أحد أمراء الأسرة المالكة، وانضم سلامة إلى جماعة شباب محمد، والتي أنشأها مجموعة من الأشخاص المنشقين عن الإخوان المسلمين وحزب مصر الفتاة عام 1948، وشارك الشيخ حافظ من خلال تلك الجمعية في النضال الوطني الإسلامي في مصر ضد الاحتلال الإنجليزي، وبعد انضمامه بفترة قصيرة، أُعلن قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي في العام نفسه، وإعلان الجيوش العربية للحرب، وأراد الشيخ حافظ التطوع في صفوف الفدائيين والسفر إلى فلسطين لقتال العصابات الصهيونية، لكن قيادة جماعته طلبت منه حينذاك عدم السفر باعتبار أن العدو الحقيقي لا يزال رابضا في مصر. وشكل حافظ أول فرقة فدائية في السويس، كانت مهمتها الرئيسية مهاجمة قواعد القوات الإنجليزية الرابضة على حدود المدينة، والاستيلاء على كل ما يمكن الحصول عليه من أسلحة وذخائر، كان يتم تسليمها للمركز العام للجمعية في القاهرة، لتقوم هي بعد ذلك بتقديمها كدعم للفدائيين في فلسطين (وكانت جماعة الإخوان هي من تقود الفدائيين في حرب 48 ضد الصهاينة)، وبعد هزيمة الجيوش العربية أنخرط في العمل الخيري والدعوى من خلال الجمعية. واعتقل سلامة بعد ذلك في إطار الاعتقالات التي نفذها نظام الرئيس السابق جمال عبد الناصر ضد الإخوان المسلمين، وظل في السجن حتى نهاية 1967 بعد حدوث النكسة، وكان يقضى عقوبته في العنبر رقم 12.

الملاحظة الرابعة، اهتم الشيخ بالعمل الخيري والدعوى، حيث أُفرج عن الشيخ حافظ سلامة في ديسمبر 1967، فاتجه إلى مسجد الشهداء بالسويس، وأنشأ جمعية الهداية الإسلامية، وهي الجمعية التي اضطلعت بمهمة تنظيم الكفاح الشعبي المسلح ضد إسرائيل في حرب الاستنزاف منذ عام 1967 وحتى عام 1973م. ولعب الشيخ حافظ سلامة دوراً هاما في عملية الشحن المعنوي لرجال القوات المسلحة بعد أن نجح في إقناع قيادة الجيش بتنظيم قوافل توعية دينية للضباط والجنود تركز على فضل الجهاد والاستشهاد وأهمية المعركة مع اليهود عقب هزيمة 1967 والاستعداد لحرب عام 1973، وكانت هذه القوافل تضم مجموعة من كبار الدعاة وعلماء الأزهر وأساتذة الجامعات في مصر مثل شيخ الأزهر عبد الحليم محمود والشيخ محمد الغزالي، والشيخ حسن مأمون، والدكتور محمد الفحام، والشيخ عبد الرحمن بيصار وغيرهم.
ويقول اللواء عبد المنعم واصل، قائد الجيش الثالث الميداني، عن الدور الذي لعبه الشيخ حافظ سلامة في تلك الفترة: "الشيخ حافظ سلامة كان صاحب الفضل الأول في رفع الروح المعنوية للجنود على الجبهة، بل إن الجميع كانوا يعدونه أبا روحيا لهم في تلك الأيام العصيبة". ونجحت القوافل نجاحًا كبيرًا فصدر قرار بتعميمها على جميع وحدات الجيش المصري في طول البلاد وعرضها كنوع من الاستعداد للمعركة الفاصلة مع الإسرائيليين.
المقاومة الشعبية

الملاحظة الخامسة والأهم أن قيادة الشيخ حافظ سلامة لعمليات المقاومة الشعبية في مدينة السويس بدءًا من يوم 22 أكتوبر 1973 تعد هي المحطة الأهم في حياة الشيخ حافظ سلامة، إذ تسللت إسرائيل إلى غرب قناة السويس في منطقة "الدفرسوار" القريبة من الإسماعيلية بهدف حصار الجيش الثالث الميداني بالضفة الشرقية للقناة وتهديد القاهرة واحتلال مدينة السويس بإيعاز من الولايات المتحدة الأميركية حتى تجد ما تفاوض عليه في اتفاقية وقف القتال، وسلمت القيادة الإسرائيلية هذه المهمة إلى الجنرال أدان، الذي وجه إنذار إلى محافظ السويس بالاستسلام أو تدمير المدينة بالطيران الإسرائيلي، ولكن الشيخ حافظ سلامة ومعه عدد من القيادات المجاهدة، ومعه جميع أبناء المدينة قرروا رفض تسليم المدينة واستمرار المقاومة مهما كانت الظروف، ووقف الشيخ حافظ سلامة على منبر مسجد الشهداء ليعلن بدء عمليات المقاومة.
ويصف رئيس أركان حرب القوات المسلحة سعد الدين الشاذلي وقت الحرب هذا الدور قائلاً: "إن الشيخ حافظ سلامة رئيس جمعية الهداية الإسلامية، إمام وخطيب مسجد الشهداء، اختارته الأقدار ليؤدي دورًا رئيسيًّا خلال الفترة من 23– 28 أكتوبرعام 1973، عندما نجحت قوات المقاومة الشعبية بالتعاون مع عناصر من القوات المسلحة في صد هجمات العدو الإسرائيلي وإفشال خططه من أجل احتلال المدينة الباسلة". وبعد هذا التاريخ العظيم للشيخ من جهاد ونضال ضد العدو، ظل الشيخ حافظ سلامة يلعب دوراً إيجابيا في مجتمعه من الناحية الدعوية والاجتماعية وأيضاً السياسية فقد رفض الشيخ حافظ سلامة زيارة السادات للقدس عام 1977 ومعاهدة كامب ديفيد عام 1979، ما جعل الرئيس السادات يضعه على رأس قائمة اعتقالات سبتمبر1981، وقد أُفرج عنه بعد اغتيال السادات.

مع الثورة وضد الانقلاب
وفي الرابع من مايو عام 2012، شارك الشيخ حافظ سلامة في جمعة الزحف بالعباسية، متضامناً مع مطالب القصاص لشهداء العباسية الذين قُتلوا على أيدى بلطجية ووقوف الشرطة العسكرية والجيش دون تحريك ساكنا، وكان الشيخ متواجداُ داخل مسجد النور، عندما قام الجيش بفض الاعتصام. وقبل 30 يونيو حذر الشيخ من دعم أمريكي لانقلاب وشيك، واعتبر تدخلات السفيرة الأمريكية وقتها آن باترسون مشبوهة لتدبير سيناريو الانقلاب ودعا الريس مرسي إلى تشكيل مجلس رئاسي جديد يكون قادرا على مواجهة هذه المؤامرة أو استفتاء الشعب على استمراره.
وللشيخ مقاطع فيديو تؤكد دعمه للرئيس مرسي ورفضه للانقلاب العسكري عليه، وقد شارك في بعض الفعاليات الرافضة للانقلاب بالفعل، لكنه قبل الاستفتاء على دستور الانقلاب في يناير 2014م خرج في مسجد النور بالعباسية ليقول إن اطلع على هذه التعديلات ويرى أنها إيجابية داعيا إلى الموافقة عليها؛ وهو ما فسر مراقبون بأن الشيخ تعرض لتهديدات صريحة من عصابة الانقلاب بتجميد جميع أنشطته الخيرية والدعوية والزج به في السجون والمعتقلات ومصادرة كل المؤسسات الخيرية التي يديرها، وأن الشيخ وازن بين المصالح والمفاسد في الأمرين وانتهى إلى تفويت الفرصة على نظام الانقلاب بتجميد أنشطته الدعوية والخيرية بدعوى مشاركته في فعاليات رفض الانقلاب ودعم شرعية الرئيس الشهيد محمد مرسي. رحم الله الشيخ حافظ سلامة وأسكنه فسيح جناته.
https://www.youtube.com/watch?v=68RFzdSKyTw

Facebook Comments