الطلاق الشفوي قضية يثيرها مشايخ العسكر من وقت لآخر بمناسبة وبدون مناسبة. شيوخ العسكر يزعمون أنهم يعملون من أجل إنصاف السيدات المعلقات اللاتى طلقهن أزواجهن شفويا لكنهم يرفضون توثيق الطلاق ليكون قانونيا. ويتجاهل شيوخ العسكر النصوص والأحاديث النبوية من أجل إلغاء الطلاق الشفوى وتحقيق هدف يسعى إليه قائد الانقلاب الدموى عبدالفتاح السيسي الذى أصبح يتدخل حتى فى الحلال والحرام، بل ويضغط على شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب من أجل تحليل ما حرمه الله تنفيذا لأجندة صهيونية ودولية لتفكيك المجتمعات المسلمة وضياع هيبة الأسرة وتسليط المرأة على الرجل وإبعادها عن دينها بذريعة تحريرها من سطوة الرجل.
كانت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، قد حسمت الجدل فى الطلاق الشفهي؛ حيث أقرت وقوع الطلاق المستوفى أركانه وشروطه، بما استقر عليه المسلمون منذ عهد الرسول الكريم، وأكدت أنه على المطلِّق أن يبادر بتوثيق هذا الطلاق فور وقوعه، حفاظاً على حقوق المطلقة وأبنائها. وشددت هيئة كبار العلماء على أنه من حق ولىّ الأمر شرعاً أن يتخذ ما يلزم من إجراءات لسن تشريع يكفل توقيع عقوبة تعزيرية رادعة على من امتنع عن التوثيق أو ماطل فيه، محذِّرة المسلمين كافة من الاستهانة بأمر الطلاق، ومن التسرع فى هدم الأسرة، وتشريد الأولاد.
ورغم توضيح هيئة كبار العلماء الحكم الشرعى للطلاق الشفوى إلا أن الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، رئيس الانقلاب العسكري، ومن يصدرهم من المشايخ "العيرة" يفاجئون المسلمين من وقت لآخر بفتاوى تتجاهل الأحكام المستقرة ويحاولون زحزحة الناس بعيدا عنها تحقيقا لمطالب وأهداف السيسي. من هؤلاء الذين يخشون فى الله لوم الحكام وعتابهم الشيخ خالد الجندى، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية والذى يزعم أن أى طلاق شفهى لا قيمة له ولا يُعتد به ولا يترتب عليه أى آثار من عدة وخلافه.
ويزعم الجندى فى تصريحات صحفية، أنه إذا طلق الرجل زوجته شفهياً، وهاجر إلى كندا، ومرت 10 سنوات دون استخراج وثيقة الطلاق، فهى زوجته، حيث إنه لا يتم احتساب عدة المرأة إلا بعد استخراج وثيقة الطلاق. مدعيا أن الطلاق عند الفقهاء هو حل رباط الزوجية، ونحن نتحدث عن وسيلة إيقاع الطلاق، وأى شىء لا تترتب عليه آثاره كأنه لم يكن. ويواصل الجندي هذيانه بأن العقد شريعة المتعاقدين وكل ما لا تترتب عليه آثاره هو والعدم سواء، زاعما أن الطلاق الشفوى لا قيمة له ولا تترتب عليه آثاره، وأى واحد طلق مراته شفهياً، فهى ما زالت زوجته.

أبغض الحلال
فى المقابل قال الشيخ عبدالحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، إن الطلاق الشفوى نافذ، ولذلك حذّر النبى الكريم من الطلاق، فقال: «أبغض الحلال عند الله الطلاق»، مشيرا إلى أن كلمة الطلاق يهتز لها عرش الرحمن، وذلك لأن الرجل كان رجلاً ويفى بكلمته وقتها.
وأضاف الأطرش فى تصريحات صحفية: "لما نقض الرجل كلمته وعُرف عن بعض الرجال كذبهم وخيانة ضميرهم ومن باب الحرص على حقوق المرأة، صدرت القسيمة، التى تثبت الزواج". وأوضح أن الطلاق ثلاثة أقسام: طلاق الهازل، والسكران، والغضبان، أما الأخير فلا يقع لقول النبى «لا طلاق فى إغلاق» والإغلاق هو أن يغلق على الإنسان بحيث لا يدرى ما يقول، وكذلك طلاق السكران لا يقع، أما طلاق الهازل فيقع لقول الرسول الكريم «ثلاث هزلهن جد» منها الطلاق، فإذا قال شخص هازل لزوجته أنتِ طالق فقد وقعت الطلقة، والله سبحانه وتعالى يقول: «الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».
وأشار الأطرش إلى أنه إذا قال الرجل لزوجته «أنتِ طالق» وحقّت عليه الطلقة فهذا الطلاق شرعاً واقع لا محالة، أما قانوناً فليس طلاقاً، ولكنه وقع فى كل الأحوال. وأكد أنه لا يجوز للزوج تعليق زوجته دون تطليقها رسمياً، والزوج الذى يفعل ذلك فهو آثم ويحاسبه الله على فعلته، موضحا أن الوسيلة التى تساعد الزوجة فى الطلاق عند مماطلة الزوج هى إقامة دعوى خَلْع.

علاقة متوترة
وأرجع الكاتب والباحث السياسي خليل العناني ما يحدث فى قضية الطلاق الشفوى إلى أن هناك خللا فى العلاقة بين الدين والدولة؛ مؤكدا أن هناك محاولاتٌ من دولة العسكر والقوى السياسية من أجل توظيف الدين في الصراع السياسي. وقال العنانى فى تصريحات صحفية أنه إذا كان دور المؤسسات الدينية يتركز بالأساس في تلبية الاحتياجات الدينية والطقوسية للناس، إلا أنه قد يتوسع أحياناً ليشمل المسائل السياسية والاجتماعية والثقافية، كما هي الحال في مصر، حيث تلعب المؤسسات الدينية الإسلامية، كالأزهر ودار الإفتاء، دوراً مهماً في حياة المواطنين. لذلك هناك سعي دائم من دولة العسكر إلى السيطرة والتحكّم في هذه المؤسسات، وهو ما أدّى إلى حدوث توتراتٍ بينها وبين من يديرون هذه المؤسسات، خصوصا مؤسسة الأزهر.
وأشار إلى أنه منذ نشأة الدولة الحديثة تراجع استقلال الأزهر، حيث أصبح تعيين شيخ الأزهر من صلاحيات الحاكم، وازداد الوضع سوءاً بعد الاستقلال وتولي العسكر إدارة شؤون البلاد لافتا الى أنه في عام 1961 صدر قانون إعادة تنظيم الأزهر الذي أنهى استقلاله، حيث تم إلغاء هيئة كبار العلماء، والتي كانت تختار شيخ الأزهر. وتم تقليص صلاحيات شيخ الأزهر في إدارة شؤونه، وتحويل بعض الصلاحيات لوزير الأوقاف، وهو ما زاد من التوترات بين الأزهر والدولة في عهدي عبد الناصر والسادات وخلال عهد حسني مبارك أصبح الأزهر تحت السيطرة الكاملة للدولة.

هيئة مستقلة
وأضاف العنانى بعد ثورة يناير 2011، نجح الأزهر في استرداد بعضٍ من استقلاليته، وذلك حين أصدر المجلس العسكري مرسوماً لتعديل قانون عام 1961 الذي أعطى بعض الاستقلالية للأزهر باعتباره "هيئة مستقلة"، وأن يتم اختيار شيخ الأزهر، بطريق الانتخاب، من بين أعضاء هيئة كبار العلماء في الأزهر، عن طريق الاقتراع السري في جلسة سرية يحضرها ثلثا عدد أعضائها، ثم تنتخب الهيئة شيخ الأزهر من بين المرشّحين الثلاثة في الجلسة نفسها بطريق الاقتراع السرّي المباشر، ويصبح شيخاً للأزهر، إذا حصل على الأغلبية المطلقة لعدد أصوات الحاضرين ولا يمتلك الرئيس سلطة إقالته. وهذا التعديل هو الذي أعطى استقلاليةً لشيخ الأزهر عن السلطة التنفيذية وهو أحد أسباب التوتر في العلاقة بين شيخ الأزهر أحمد الطيب، وعبد الفتاح السيسي. فرغم موافقة الطيب على انقلاب 3 يوليو 2013، إلا أنه رفض كثيرا من سياسات السيسي، مثل الفض الدموي لاعتصام ميدان رابعة العدوية، وكذلك رفض الآراء الدينية للسيسي في قضايا، مثل الطلاق والميراث ومحاربة الإرهاب وغيرها. وهو ما أدى إلى توتر العلاقة بين الطرفين.

Facebook Comments