لا يمكن فهم رسالة مسلسل «الاختيار 2» الذي الذي يجري بثه في رمضان الحالي(1442هــ/2021م) على شاشات النظام العسكري في مصر إلا بناء على أن هذه المذبحة (رابعة) الوحشية التي ارتكبتها قوات من الجيش والشرطة في 14 أغسطس 2013م، بأوامر مباشرة من وزير الدفاع حينها الجنرال عبدالفتاح السيسي، وأدت إلى مقتل وإصابة آلاف المصريين في يوم واحد، هي الحدث الأبرز والمؤسس لشرعية نظام 3 يوليو 2013م. فالرئيس الأسبق حسني مبارك كان يؤسس شرعية نظامه على أمرين: الأول، هو ثورة 23 يوليو . والثاني، المساهمة في انتصار اكتوبر. وعلى هذ النحو جرى تضخيم ما تسمى بالضربة الجوية الأولى طوال حكم مبارك الذي امتد لثلاثين سنة؛ على اعتبار أن مبارك كان رئيس سلاح القوات الجوية وقتها. أما السادات فكان يعتمد في شرعية نظامه على 23 يوليو من جهة، وحرب أكتوبر من جهة ثانية. وحاول إضفاء المزيد من الشرعية على نظامه من خلال الزعم بأنه رجل الحرب والسلام بعد اتفاق التطبيع مع العدو الصهيوني بعد كامب ديفيد 1978م. والدكتاتور جمال عبدالناصر أسس شرعية نظامه على 23 يوليو رغم أنها كانت انقلابا صارخا على النظام الملكي؛ وبالقوة والقهر والدعاية الضخمة جرى تسويق الانقلاب على أنه ثورة؛ رغم أنه من المعلوم يقينا أن الثورات من صنع الشعوب، أما الانقلابات فمن تدبير الجيوش. وحركة 23 يوليو كانت عسكرية خالصة.

ماذا عن السيسي؟
ماذا عن السيسي؟ وماذا عن الشرعية المؤسسة لنظامه وقد اغتصب الحكم بانقلاب عسكري في 3 يوليو 2013م؟ وإلى أيّ شيء تستند شرعية نظام السيسي التي قامت على الانقلاب، ولم تكن له سابقة عسكرية تذكر، ولا هو من جيل "الثورة" ولا من جيل الحرب، كما أنّه لم يكن نائباً لرئيس سابق، بخلاف كلّ من السادات نائب عبد الناصر، ومبارك نائب السادات. 
أحد أهم أزمة الشرعية في نظام السيسي أنه ليس ديمقراطيا ولم يأت بإرادة شعبية؛ كحال الأنظمة العربية التي لا تنبثق شرعيتها من إرادة شعوبها انبثاقا طبيعيا كما في النظم الديمقراطية؛ فالشعب ليس مصدر السلطات، ولا هو المجدد لشرعية النظام الحاكم، والذي لا يستند بدوره في استمراره إلى شرعية الإنجاز، وإنما إلى شرعية تاريخية تقادمت، بما يضعف مفعولها الأخلاقي والاجتماعي والسياسي، كشرعية الثورة، سواء كانت ثورة حقيقية ضدّ الاستعمار كالثورة الجزائرية، أو الثورة الفلسطينية المعاصرة، أو كانت انقلاباً كما هو الحال في البلاد التي حكمتها أنظمة عسكرية/ قومية، أو شرعية السلالة، أو شرعية التوحيد والتأسيس. وإذا كانت هذه الشرعيات مفهومة في إنشاء الدولة، وفي تسويغ النظام في مراحله الأولى، فإنها غير مفهومة لمنح الديمومة لنظام أو لسلطة سياسية، لا تنبثق عن الشعب، أو لا تملك إنجازا يعتدّ به.
الدعاية الضخمة التي حظى بها مسلسل (الاختيار 2) والاهتمام الواسع به من جانب النظام وأجهزته حتى إن إحدى الشركات المخابراتية هي التي تولت إنتاجه والإنفاق عليه بسخاء بالغ إنما يعني أن فضّ اعتصام رابعة هو الحدث المؤسس لشرعية النظام. فاعتصام رابعة والنهضة من وجه كان استمرارا لثورة يناير، ومن وجه آخر كان ينطوي على الحق الخالص المثابر الصامد في وجه نظام انقلابي تمكن بدعم دولي وإقليمي من توظيف الغرائز الأولية لتجنيد أحزاب ورموز سياسية يئست من الفوز بثقة الشعب بأدوات الديمقراطية، ثم جرى العصف بهم بعد ذلك في أجواء مشحونة من الكراهية والعنصرية التي تفوق النظم الفاشية العنيفة. وبهذا كان سحق اعتصام رابعة تأسيساً فعليّاً لحقبة السيسي بأكثر من اعتبار. إنّه الإعلان الصريح عن القطع مع ثورة يناير، وميلاد نظام 3 يوليو القائم على أيديولوجيا الدم والقمع كمبادئ مؤسسة للنظام الجديد القديم.
بشاعة الفض

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي ساري عرابي في مقاله "مسلسل الاختيار ..المذبحة أساسا للشرعية" والمنشور في 20 إبريل 2021م على موقع "عربي 21" ، فإن السيسي يدرك تماما بشاعة ما اقترفه، بالفضّ الدموي للاعتصام، كما يدرك وضاعة الخديعة التي أحاط بها الرئيس الذي رفع رتبته وعينه وزيرا للدفاع، فما المجد الذي يمكن للسيسي أن يدعيه في بقية (عقود) حكمه كما يأمل؟ لا بدّ والحالة هذه من إعادة تشكيل التاريخ والذاكرة على الفور، لتحويل البشاعة والوضاعة إلى مجد يمكن الافتخار به. ولمّا كان العصف بالثورة والديمقراطية والتآمر على الإخوان والمكر بهم، هو التأسيس الفعلي لصعود السيسي، فإنّ المعركة معهم راهنة وستبقى مفتوحة، حتى لو الجماعة نفسها لم تعد فاعلة، وحتى لو كان معسكر الثورة بكل أطيافه وتياراته ممزقا؛ فاستدعاء التاريخ المزوّر واختلاق السرديات من أهم أدوات هندسة الوعي وصناعة الشرعيات الزائفة.

من جانب آخر، فإن السيسي حتى اليوم لا يملك إنجازا يجدّد به شرعيته، وذلك وسط ما يلفّه من تشكيك، جرّاء الانتكاسات التي منيت بها مصر في الملفات الإستراتيجية الثقيلة، في الجغرافيا والغاز والمياه، وطبيعة العلاقة الغامضة مع الاحتلال الصهيوني، وهو ما يدفع نحو الاستدعاء المزمن واللحوح للحظة التأسيس الأولى، أي محاربة الإخوان المسلمين، بعد إعادة تصويرها بما يجعلها إنجازا وطنيا، ويجعل وجود السيسي ضرورة بالنسبة لأنصاره. إلا أن السيسي لم يكن وحده في صناعة المذبحة، كما لم يكن وحده في الإدارة المريبة للملفات الثقيلة للدولة المصرية، ما يجعل الحاجة للعودة إلى لحظة فضّ رابعة حاجة للنظام كلّه، الذي بنى سمعته، على صور أسطورية، تدمج بين "وطنية النظام الناصعة"، و"تحفّزه الدائم ضدّ الأعداء الخارجيين"، وبين الوطنية المصرية العصابية المتمركزة حول الذات. وهذه السمعة التي جرى تصنيعها وتكريسها على مرّ عقود، تعاني الاهتراء وتواجه التشكيك بفعل السياق الذي صعد فيه السيسي، وبفعل تواطؤ أجهزة الدولة مع سياساته المريبة، الأمر الذي يحتاج عملية مستمرة وراهنة لتجديد السمعة والشرعية. ومن هنا فإنّ التوظيف المكثّف للدراما، كما في مسلسل "الاختيار"، وبالرغم من سخونة الحدث، وقرب العهد به وحضور شهوده، هو حاجة للنظام، وبما يعبّر عن أزمته، بقدر ما يعبّر عن انتصاره الراهن!

Facebook Comments