قال موقع "الشارع السياسي" في أحدث دراساته  التحليلية بعنوان "إعدام 17 معتقلا سياسيا بقضية كرداسة.. مغزى التوقيت بين الرسائل والدلائل" إن مشاركة حشود غفيرة في جنازات الضحايا مثلت صدمة لنظام المنقلب الديكتاتور  السيسي وأجهزته الأمنية.
وأوضحت أن مبلغ الصدمة أن الناس تعارفت على عدم المشاركة في جنازات من أعدموا في قضايا جنائية فيتم دفنهم في هدوء بمشاركة قليلة من أقاربهم ويكفي ما تسببوا فيه من عار لأهلهم، ولكن في جنازات ضحايا الإعدامات تتابعت الحشود الغفيرة بصورة كبيرة ودوَّت هتافات الناس (لا إله إلا الله .. الشهيد حبيب الله. لا إله إلا الله.. السيسي عدو الله)، في برهان ساطع على أن هؤلاء الدعاة إلى الله جرى إعدامهم ظلما وعدوانا فزاد تعاطف الجماهير معهم.
وأكد الموقع أن الضحايا عُرفوا بين الناس بالإيمان والاستقامة وتاريخهم وحياتهم خير شاهد وقد تواتر بين أهالي كرداسة أن من اقتحموا قسم الشرطة وقتلوا ضباطه هم بلطجية لإخراج محبوسين بسجنه والسطو على الأسلحة التي كانت به، مستدركا أن نظام السيسي أبى إلا اتهام الأبرياء دون دليل أو بينة.

أهم الرسائل

واعتبرت الدراسة أن الرسالة الأهم من مذبحة الإعدامات الجماعية في نهار رمضان والضحايا صائمون أنها برهان ساطع لكل المعنيين بالأمر تؤكد إصرار عصابة الانقلاب على وأد أي بصيص أمل لدى البعض أو أوهام بشأن أي مصالحة مجتمعية شاملة بين النظام من جهة والقوى السياسية والثورية من جهة أخرى وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي تمثل الفصيل الشعبي الأكبر في البلاد.
ولفتت إلى أنه فيما يتعلق بالمصالحة المصرية الشاملة خصوصا مع الإسلاميين فإن السيسي لا يتمتع بأي استقلال في اتخاذ قرار بهذا الشأن؛ لأنها مسألة إقليمية ولبعض القوى الدولية والإقليمية فيها نفوذ تستطيع فرضه على السيسي والمؤسسة العسكرية، لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بمستقبل الكيان الصهيوني وضمان أمنه واستقراره على المدىين القصير والطويل.

قرار رعاة الانقلاب
وأضافت الورقة أن الديكتاتور  السيسي لا يرى نفسه مضطرا في الوقت الحالي للتصالح مع رافضيه، بل يجد نفسه مضطرا للالتزام بتوجيهات رعاة انقلابه وداعميه التي تقوم على استئصال فكرة الحرية والديمقراطية من مصر بشكل عام حتى لا تنتقل عدواها إلى ممالكهم. وهم يستندون في توجيهاتهم إلى المليارات التي دفعوها ولا يزالون، وهو يدرك أيضا أن عرشه سيكون مهددا بأي مصالحة سياسية، أو بأي تسامح سياسي تجاه المعارضة بكل تياراتها، ولذلك فإنه يغلق المجال السياسي بوجه الجميع وليس بوجه الإخوان فقط، ولا أدل على ذلك من ملاحقته لكل الرموز الليبرالية واليسارية المعارضة لحكمه، والزج بها في السجون جنبا إلى جنب مع الرموز والقواعد الإخوانية والإسلامية، والأكثر من ذلك زجه بقيادات عسكرية في السجون وتحت الإقامة الجبرية مثل سامي عنان وأحمد قنصوة وأحمد شفيق وغيرهم. قبل أن يقوم مؤخرا ببعض الانفراجات الصغيرة.

صك إذعان
ورأت الورقة أن السفيه السيسي لا يريد مصالحة بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما يريد صك إذعان واستسلام من الإخوان والقوى السياسية كلها لتوجهاته وسياساته مهما كانت بالغة الشذوذ والإضرار بمصالح مصر وأمنها القومي.
وأضافت أن السيسي يريد من الإخوان وغير الإخوان الإقرار بشرعية النظام وعدم معارضته مطلقا، والانصياع الكامل لسياساته وتوجهاته مهما كانت بالغة الشذوذ والانحراف وتمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري.
وأوضحت أن تصورات السيسي عن المصالحة السياسية  تشبه تماما تصوراته عن أزمة التصالح في مخالفات البناء مع الشعب كله؛ فالسيسي هو من خلق الأزمة وسن قانونا  اعتبر عشرات الملايين من المصريين مخالفين للقانون، وراح بناء على هذا القانون “الشاذ” يهدم مئات المنازل للمواطنين ليكونوا عبرة لغيرهم من أجل إجبار الشعب على دفع إتاوات باهظة مقابل تقنين بيوتهم التي يعيشون فيها منذ عشرات السنين، وبالتالي فإن السيسي يريد مصالحة سياسية على غرار قانون التصالح في مخالفات البناء؛ تحقق له المكاسب ويفرض بها تصوراته على الجميع بأدوات البطش والقمع الأمني؛ وفق قاعدة "الإذعان الكامل أو السحق الشامل".

تحت السيطرة

وأشارت الورقة إلى أن السيسي يريد إعلان أن جميع مؤسسات الدولة تحت السيطرة، فالنظام يستهدف من مذابح الإعدامات الممهورة بأحكام قضائية مزيفة ومسيسة افتقدت لأدنى معايير العدالة والنزاهة التأكيد أن كل مؤسسات النظام تحت السيطرة، فليست فقط الشرطة التي تقتل الناس في الشوارع، وليس فقط الجيش هو من يهدم البيوت على رءوس أصحابها ويقتل بلا رحمة، ولكن القضاء أيضا يقتل بلا قانون. شعار النظام «نحن شبه دولة.. لا قانون ولا عدالة .. نقتل من نشاء وقتما نشاء دون خوف من مساءلة أو عقاب». 
وأكدت أن السيسي أطاح بكل قاض يملك أي مسحة من استقلال، وقام بتصعيد أولئك الذين يصدرون أحكاما بناء على تحريات الأمن الوطني لا صحيح القانون ووضوح الأدلة، وصواب الاستدلال.
واعتبرت أن القتل المعلن عبر منصات القضاء يحمل شرعية زائفة كما يحمل رسالة قوة أكبر في مضمونها ورسالتها من القتل الغادر بالشوارع في تبادل مزعوم لإطلاق النار؛ لأن هذه الصورة (الاغتيال في الشوارع) توحي بالتنازع على السلطة والصراع ضد النظام، أما القتل عبر أحكام القضاء المسيس فإنها صورة تبرهن للعالم الخارجي مدى قوة النظام وتماسكه وسيطرته على  الأمور.

تهديد ووعيد
ونبهت الورقة إلى أن الرسالة الثالثة، هي التهديد والوعيد، فالنظام العسكري الانقلابي يهدد الجميع بالتأكيد مجددا على أن رؤوس الجميع تحت المقصلة، فكلما زادت معدلات الظلم والاستبداد تعين على النظام زيادة منسوب الخوف وتمتين جدرانه، ولا يوجد أقل من القتل المعلن الذي يرتدي عباءة الشرعية الزائفة كأداة لتمتين وتضخيم هذه الجدران.
وأفادت أن زيادة منسوب الخوف أدى إلى توحش السلطة وتبجحها؛ وبالتالي يدخل المجتمع في تزايد مضطرد للظلم من جهة وجدران الخوف من جهة أخرى حتى يتداعى الجدار بفعل الثورة أو بفعل الصراع بين أركان السلطة أو من تلقاء نفسه بفعل تفكك السلطة وهشاشتها وعدم قدرتها على تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين.
وعن استمرار الجبروت، أشارت الورقة إلى أن الانقلاب يبرهن على سطوته وجبروته بالتأكيد على حماية ضباطه وعناصره المتورطين في الدماء سواء كانوا في الجيش أو الشرطة أو غيرهما، دون اكتراث للانتقادات المحلية والدولية وخصوصا من منظمة العدل الدولية أو مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أو هيومن رايتس ووتش.
وأوضحت أنه رغم مقتل أكثر من ألف موطن على يد الجيش والشرطة في مذبحة رابعة والنهضة فلم يقدم ضابط واحد للمحاكمة. بل جرى تقديم من تبقوا من ضحايا مذبحة رابعة وغيرها لمحاكم صورية ليجري ذبحهم عبر منصات القضاء المسيس.

Facebook Comments