منذ موافقة البابا تواضروس علي انقلاب 3 يوليو 2013 ودعمه، وتشكيل لجنة لتقنين أوضاع الكنائس المخالفة للقانون المبنية دون تراخيص، وحكومة السيسي تصدر بيانين تقريبا كل عام بالموافقة على تقنين عدد من الكنائس.

في بيانها الأخير 2 مايو 2021، أكدت حكومة السيسي أن عدد الكنائس التي تم توفيق أوضعها والاعتراف بقانونيتها (تقنينها) ارتفع إلى 1882 كنيسة ومبنى مخالفا منذ 2017 وحتى 2021.

هذا العدد يتضمن 1077 كنيسة و805 مبنى ملحق بالكنائس، وهو يرصد العدد الذي أضيف من الكنائس المخالفة للكنائس الموجودة بالفعل والتي بلغت حتى ديسمبر 2011 عدد 2869 كنيسة، وفق تصريح سابق لرئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

لماذا كشف حساب؟

تقنين الكنائس والمباني الملحقة بها التي بنيت بالمخالفة للقانون، كان يتم بشكل روتيني منذ تشكيل لجنة التقنين يناير 2017 حيث كان يصدر بيان من مجلس الوزراء في اجتماعه التقليدي يذكر أنه تمت الموافقة على دفعه جديدة.

لكن البيان الأخير لمجلس وزراء الانقلاب حول تقنين آخر دفعة من الكنائس كان غريبا وأشبه بتقديم كشف حساب للمسيحيين والغرب عما فعله نظام السيسي من أجل الأقلية القبطية في مصر، وذلك بالتزامن مع الضغوط الغربية عليه بسبب القمع وانتهاك الحريات.

البيان الذي نشره مجلس وزراء الانقلاب على موقعه على فيس بوك مدعما بفيديو يتضمن الكنائس التي تم تقنينها والتي بنيت في كل المدن الجديدة وزيادة مقاعد وعدد المسيحيين في البرلمان بغرفتيه وفي الحكومة ومناصب المحافظين وغيرها كان غريبا لأنه بيان مطول وأشبه بتقديم كشف حساب عن خدمات السيسي للمسيحيين في مصر، فلماذا الجديد وما السبب؟

القضية الأساسية التي ركز عليها مجلس وزراء الانقلاب هي استمرار اللجنة الرئيسية لتقنين أوضاع الكنائس في توفيق وتقنين أوضاع الكنائس المصرية التي بُنيت بالمخالفة للقانون، "ترسيخا لمبادئ المواطنة والوحدة الوطنية"، حسبما قال.

واستعرض الفيديو التوزيع الجغرافي للكنائس والمباني التي تم تقنين وتوفيق أوضاعها، على مستوى محافظات الجمهورية.

البيان برر تقديم هذا الفيديو الحصري (كشف الحساب) لما تم تقديمه من خدمات للأقلية القبطية بأنه "ترسيخا لمبادئ المواطنة والوحدة الوطنية"، و"تعزيز جهود الدولة بعد ثورة الثلاثين من يونيو لإعلاء قيم المواطنة والتلاحم الوطني"، و"بناء دولة جديدة يشارك فيها جميع أبناء الوطن".

الأكثر غرابة هو أن كشف الحساب هذا وما سبق من كشف حساب آخر مفصل صدر في 6 يناير 2021 من مجلس وزراء الانقلاب حرص على مخاطبة الدول الغربية من خلال استعراض آراء كبار المسئولين الغربيين بشأن ما فعله السيسي للأقلية المسيحية كأنه محاولة حكومية لمخاطبة ود الغرب.

فهل بيان التقنين هذه المرة وما تضمنه من كشف حساب للغرب هو محاولة لتلميع نظام السيسي لدى الغرب لإثنائهم عن انتقاد ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وتلميع صورة النظام القمعية، كما تقول تقارير صحفية؟

البيان كشف صدور أوامر من السيسي للهيئة الهندسية للقوات المسلحة وحكومة الانقلاب بضرورة وجود كنائس في المدن الجديدة لـ "حفظ حقوق أقباط مصر" وإنشاء 40 كنيسة وجاري إنشاء 34 كنيسة أخرى بالمدن الجديدة خلال الفترة من يوليو 2014 حتى ديسمبر 2020.

ورصد حرص السيسي على حضور احتفالات المسيحيين بأعيادهم وتوجيهه بضرب ليبيا عقب قتل داعش 22 مسيحيا مصريا رغم ما قالته حكومة طرابلس عن أن الضربة طالت أبرياء لا داعش.

ماذا قدم السيسي للمسيحيين؟

تضمن كشف الحساب الذي قدمه السيسي للمسحيين والغرب عما فعله في ملف الأقلية المسيحية في مصر عدة قرارات منها:

  • إنشاء هيئتي أوقاف الكنيسة الكاثوليكية والطائفة الإنجيلية، سبتمبر2020، لإدارة الأصول والأموال الموقوفة لصالح الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية.
  • إعداد قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين (الأرثوذكس، الإنجيليين، الكاثوليك)، لأول مرة بعدما اقترحته الكنائس الثلاث وتعده حاليا وزارة العدل. بحكومة الانقلاب.
  • زيادة تمثيل المسيحيين بالمجالس النيابية والمناصب القيادية بصورة غير مسبوقة؛  حيث وصل عدد نواب برلمان الانقلاب المسيحيين عام 2021 إلى 31 نائبا مسيحيا منتخبا، مقارنة بـ 5 نواب مسيحيين منتخبين عام 2012 وزيادة مقاعدهم في مجلس شيوخ الانقلاب إلى 24 مقعدا في 2020، مقارنة بـ 15 مقعدا في 2012 بمجلس الشورى المنتخب.
  • تعيين اثنين من المسيحيين في منصب المحافظ عام 2018 ضمن حركة المحافظين.
  • إضافة المادة 3 للدستور التي تنص على أن "مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية".
  • نص المادة 53 على أن "المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة".
  • المادة 64 والتي تنص على أن "حرية الاعتقاد مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية حق ينظمه القانون".

باحث مسيحي يكشف الحقيقة

رغم تأكيد تقارير صحفية أن تقنين أعداد كبيرة من الكنائس المخالفة وتقديم السيسي تغييرات فيما يخص مناصب الأقباط في الحكومة وغيرها هو أشبه بـ "مكافأة" لقيادة الكنيسة لوقوفها مع السيسي منذ انقلاب 2013 والحشد في تمثيلية الانتخابات والاستفتاءات، إلا أن هذا أغضب العديد من الأقباط.

لكن الباحث الحقوقي القبطي إسحق إبراهيم أكد أن فعله السيسي ليس خالصا لوجه الله وانما بمقابل هو "المصلحة".

في مقال بعنوان "الأقباط: اصطفاف المصلحة والطاعة والخوف" 27 سبتمبر 2016، انتقد إسحق مقايضة قيادات الكنيسة مصالح الطائفة وكنائسها بإرضاء السيسي والحشد السياسي له.

وقال إن حشد الكنيسة ورجال الدين المسيحي لمظاهرات أقباط المهجر للترحيب بالسيسي في أمريكا "تورط الكنيسة في لعب أدوار سياسية".

أشار لاستخدام الأنبا بيمن مسؤول لجنة الأزمات بالكنيسة، والأنبا يؤانس أسقف أسيوط "أسلوب العصا والجزرة، مع أقباط المهجر لحشدهم "بالحديث عن أرض الميعاد التي تفيض لبنا وعسلا وعطايا النظام الحاكم".

تساءل عن "الأسباب الحقيقية التي تجعل قيادات الكنيسة تتورط إما طواعية أو تنفيذا لتعليمات سياسية، باتخاذ مواقف تحسب عليها وتضعها في موضع النقد، باعتبارها داعما لنظام يرى قطاع من المصريين أنه يكرر نفس الممارسات القديمة بانتهاك حقوق الإنسان".

تحدث عن "اصطفاف المصلحة" حيث "خلقت العلاقة بين النظام الحاكم وقيادات كنيسة وقبطية، ولا تزال، مصالح مشتركة تستفيد منها مؤسسات الحكم باستخدام الأقباط في الحشد السياسي ودعم النظام وتحسين صورته خارجيا".

وبالمقابل "يستفيد قطاع صغير من الأقباط يحقق مكاسب ضيقة أو شخصية، كبناء كنيسة هنا أو رضا أولى الأمر، ما يفتح لهم الأبواب المغلقة للوصول إلى المناصب العليا".

وأشار "إسحق" لبيان صدر عن الشباب القبطي، وانضم إليه أكاديميون وكتاب ومهنيون، ووصل عدد الموقعين عليه 850، معظمهم من الأقباط يرفض أية أدوار سياسية للمؤسسات الدينية، ومنها الكنيسة.

حذر البيان من أن "نظام ما بعد 3 يوليو 2013 يستحسن الزج بالكنيسة في المعادلة السياسية، ويعتبرها الوكيل الحصري لتمثيل عموم مسيحيي مصر".

 

Facebook Comments