لعل المواقف الشعبية المصرية والمتمثلة في حملات الدعم والتضامن عل منابر الأزهر وبعض المساجد وحملات الإغاثة للمصابين وفتح معبر رفح الحدودي، وإعلان أن هناك مساع سياسية لوقف العدوان على الفلسطينيين عبر دعوات مصرية لوقف القصف الصهيوني الغادر، كلها تحركات تبدو إيجابية، لكنها تظل دون المستوى المأمول أو المنتظر من دولة مصر الرائدة بالمنطقة العربية وحامية العروبة والقضية الفلسطينية، على مدار عقود، جعلت الناشطات الفلسطينيات يتحدين جنود الاحتلال بان المصريين لو عطسوا فقط في وجه إسرائيل لأزلوها، من على الأرض.
ولكن تحركات نظام السيسي ما زالت تعيق حماية الشعب الفلسطيني الذي يتطلب دعمه الانتقال من مربع الكلام إلى مربع الفعل وتهديد مباشر لتل أبيب بقطع العلاقات مثلا إن لم توقف عدوانها على غزة والقدس فورا، لكن السيسي بالطبع لا يقوى على فعل ذلك لاعتبارات كثيرة ليس هنا وقت سردها.
ولعل ما يخشاه نظام السيسي هو السماح بتظاهرات شعبية على أرض الواقع من مظاهرات داعمة أو وقفات منددة بالعدوان الصهيوني، تلك التحركات الميدانية نجح النظام القمعي العسكري في مصر في وقفها منذ سنوات عبر القتل والدبابات العسكرية والبنادق التي ارتفعت في صدور المصريين العارية تقتلهم؛ وهو ما تجلى في إقدام قوات الأمن الانقلابية على اعتقال وإخفاء كل من تجرأ وتحرك نحو ميدان التحرير من الشخصيات العامة محاولا فقط رفع العلم الفلسطيني. حيث أعلن المحامي الحقوقي مختار منير، اختفاء الشاب عمر مرسي، منذ يوم الجمعة، في ميدان التحرير، بعدما رفع علم فلسطين، مناصرةً لانتفاضة الأقصى في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقال مختار منير، إنّ عمر مرسي قرّر النزول والتضامن مع القضية الفلسطينية، وأبلغ والدته قبل صلاة الجمعة أنه سيصلي في مسجد عمر مكرم المطلّ على ميدان التحرير، وسيقف في قلب الميدان ولو بمفرده ليتضامن مع القضية. ولم يعد عمر إلى منزله منذ ذلك الحين، ولا تعرف والدته عنه أي معلومة، رغم سؤالها وعدداً من المحامين الحقوقيين عنه في قسم شرطة قصر النيل، الذي أنكر وجوده لديه.
وفي الوقت الذي لا يزال فيه عمر مرسي مختفياً قسريا، منذ رفع العلم الفلسطيني في قلب ميدان التحرير، أفرجت السلطات عن الصحفية نور الهدى زكي، مساء الجمعة الماضية، بعد توجهها إلى الميدان للسبب نفسه (رفع علم فلسطين)، جرت خلالها اتصالات من قبل نقيب الصحفيين ضياء رشوان، مع أجهزة أمنية حتى أُطلِق سراح زكي دون تحرير أي محضر.
وفي اليوم التالي من إطلاق سراح زكي، كتبت على صفحتها على فيسبوك: "توكلت على الله وحملت علم فلسطين ولم أخبر أحدا غير صديقتي حياة الشيمي، لأني كنت أخشى أن يصل عدد حملة العلم إلى خمسة ويتم اعتقالنا بتهمة التجمهر.. فقلت لنكن اثنتين أنا وحياة نرفع علم فلسطين ونمضي بلا شعار ولا كلمة ولا تجمهر (ومش ح يعملوا لنا حاجة).. ونرجع سالمتين".
وأضافت: "ذهبت أنا وحياة إلى ميدان التحرير ورفعنا العلم، وفي أقل من دقيقة تحوّل المكان إلى ثكنة أمنية وتجمع حولنا الأمن بكل تشكيلاته مدني وعسكري.. واستدعوا الشرطة النسائية وقاومنا الاعتقال وقاومنا منحهم بطاقاتنا وهواتفنا، فاستولوا علينا وعلى العلم وعلى الكوفية الفلسطينية وعلى متعلقاتنا بالعنف.. واحتجزونا على الأرض في مدخل إحدى بنايات ميدان التحرير، ولم يخلُ التعامل معنا من عنف لفظي وجسدي وتهديدات بأغلظ الأيمان أننا سنحبس. قلت: فينك يا فضيلة الدكتور الطيب والدكتور عمر هاشم".
وتابعت: "ساعة واتنين وثلاثة وأربع.. اتصالات رايحة وجاية وأوراق وطاولة ومقاعد للسادة رجال الأمن الوطني وشرطة نسائية ومخبرين مالهمش أول ولا آخر ومذكرات للأمن الوطني وكشف عن هويتنا وأسئلة كتيييير عن ثورة يناير و٣٠ يونيو و٦ أبريل قلنا إحنا لا ٦ أبريل.. ولا إخوان واحنا مش متهمين وح نمشي فقالوا ولا أتخن تخين ح يقدر يمشيكم أنتم متهمون قلنا: إحنا رفعنا بس علم فلسطين.. إحنا مصريين وبنكره إسرائيل ومتضامنين مع الشعب الفلسطيني بس بالعلم.. قالوا: جبتوا العلم منين.. قلنا: من الشارع في العتبة.. قالوا: مفيش في العتبة.. قلنا: من زمان والاتصالات شغالة.. والأسئلة شغالة والأمور بتزداد سوء.. وإحنا قاعدين على الأرض. إلى أن وصل بيه كبير تعامل معنا بلغة محترمة وراقية. ثم تغيرت لهجة الآخرين بعد وصوله وطلبوا منا الانصراف إلى بيوتنا وعدم الإقدام على هذا الفعل مرة أخرى"!
وبعد ذلك يتباهي أنصار السيسي أنه يدعم الأشقاء الفلسطينيين! فهل يتذكرون ما جرى في 2014 عندما كان سيسهم يصف المقاومة بالإرهاب وإعلامه يسبب الفلسطينيين ليل نهار؟ فليرجعوا إلى أرشيف صحفهم وفضائياتهم فإنها تنضح بإجرامهم ومخازيهم.

Facebook Comments