ما أشبه اليوم بالبارحة؛ في ذكرى هزيمة يونيو ٦٧ و تدمير الجيش وأسر وقتل خيرة شباب البلد، وهي الذكرى التي يجب أن يعي المصريون منها الدرس ويقارنوا بين هزيمة الأمس واليوم، بين شهر يونيو ١٩٦٧ ونفس الشهر ٢٠٢١ ليعرفوا إذا كانوا في اجواء الهزيمة مرتين.
لم تكن هزيمة ٦٧ عادية، وهي لم تُصب الجيش فقط؛ بل انهزم فيها نظام انقلاب عسكري قمعي على المستوي السياسي والاجتماعي والفكري، وهزيمة رؤيتنا للعالم ومكاننا فيه وبالتالي لا ينبغي أن ينحصر تفسير الهزيمة في النواحي العسكرية فقط.

يا أهلا بالهزائم..!
في يوم ١ يونيو صدحت أم كلثوم بأغنية “راجعين بقوة السلاح” في سينما قصر النيل، وكان الثنائي صلاح جاهين ورياض السنباطي قد فرغا لتوهما من الأغنية ولم يتسنَ لأم كلثوم أن تحفظها، لذا نراها هنا ووراءها ملقن يذكرها بالكلمات.
وفي صباح ٥ يونيو، يوم بدء القتال، عنونت صحيفة “الأخبار” “بعد انضمام العراق إلى اتّفاق الدّفاع المشترك مع الأردن عبد النّاصر يعلن للعالم والأمة العربية: إنّنا ننتظر المعركة على أحر من الجمر”.
ولكن عند التاسعة إلا الربع من صباح هذا اليوم، ضرب الطّيران الإسرائيلي عددا من المطارات، وكان من نتاج الغارات الإسرائيليّة المتتالية أن دُمر ٨٥ % من سلاح الجو المصري، وأصبح ١٠٠ ألف جندي في سيناء بلا غطاء جوي.
وما هي إلا ٣٦ ساعة حتى أصدر نائب القائد الأعلى للقوّات المسلّحة قرار الانسحاب المشؤوم، وطوال يوم ٧ أخذ سكان القاهرة يشاهدون فلول الجيش يزحفون إلى شوارع وميادين العاصمة، الشوارع والميادين نفسها التي استعرضوا فيها قوتهم منذ أيام قليلة خلَت.
وعلى الرغم من ذلك، كان المصريون يسمعون عبد الحليم حافظ يغني “يا أهلا بالمعارك”، وأحمد سعيد في صوت العرب يبشرهم بأن طلائع الجيش على أبواب تل أبيب، وقد بشرت صحيفة “المساء” المصريين بأن النصر أمسى قاب قوسين أو أدنى.
وبحلول يوم ٨ يونيو كان قد سقط من الجيش العربي الزاحف نحو تل أبيب عشرة آلاف جندي، أي عُشر عدد جنوده الذين حشدوا للجبهة، و١٥٠٠ ضابط، كما وقع في الأسر 5 آلاف جندي و٥٠٠ ضابط، بناء على ما جاء في خطاب عبد الناصر الذي ألقاه يوم ٢٣ نوفمبر١٩٦٧.
وبالإضافة إلى تدمير سلاح الطيران، فقد ترك الجنود وراءهم ٨٥ % من عتاد الجيش، من دبابات ومدرعات ومدافع، وأمسى الطريق للقاهرة مفتوحا، والبلد بلا جيش يحميها.
“هتشوفوا دولة تانية”!

في سبتمبر 2018، وبعد أشهر قليلة من الاستيلاء على السلطة في انتخابات هزلية، وقبل أسابيع من ظهور مشروع التعديلات الدستورية الذي تمّ تمريره ليضمن بقاءه في السلطة حتى 2030 على الأقل، بشّر السفاح السيسي المصريين بأنهم سيرون “دولة تانية” في 30 يونيو 2020، أي في الذكرى السابعة للتظاهرات ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي.

هذه المظاهرات التي خرجت بدعم من الجيش والشرطة والمخابرات الحربية والعامة، ومهدت للانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، بزعم إنقاذ شعب “لم يجد من يحنو عليه”.
حينها، قال السفاح السيسي: “في 30 يونيو 2020 سنقدم دولة بشكل مختلف خالص غير اللي انتم موجودين فيها، بجهد الدولة والحكومة والناس، وجهد ولاد مصر”.
وبالفعل، يعيش المصريون اليوم في يونيو 2021 في دولة تختلف كثيرا عن تلك التي صعد السفاح السيسي لحكمها بالدم منذ 7 سنوات، توارت أحلام عديدة راودتهم ودفعتهم للحراك الثوري في يناير 2011، كالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وغابت مكاسب كبيرة معنوية وأدبية وسياسية تحققت في أول عامين بعد الثورة على مستوى الحركة السياسية وتداول السلطة واللحمة الوطنية، وعلى حساب مجالات الخدمات الأساسية التي ذاق المصريون الأمرين من إهمالها.
حصر السفاح السيسي الإنجاز في المنشآت دون المرافق، وكرس تحكم الجيش المطلق في المجالات الاقتصادية والتنموية، وجاءت جائحة كورونا لتكشف هشاشة الوضع الاقتصادي، الذي لطالما قيل إنه تحسن واستقر، وضعف المرافق التي كانت التقارير الحكومية تتباهى بتطورها في عهد السفاح السيسي، وانهيار المنظومة الصحية التي انكشفت سوءاتها تحت وطأة تفشي الوباء.
أسباب هزيمتي يونيو

وبمقارنة أسباب هزائم عبد الناصر في عام ١٩٦٧ والسفاح السيسي في يونيو 2021 نجد المطابقة فيما يلي:
١- انغماس الجيش في السياسة و الحكم.
٢- الاعتقالات لكل من يعارض الانقلاب .
٣- التصفية الجسدية وقتل المعارضين.
٤- حبس أكبر تيار نشط ومعارض وهم جماعة الإخوان المسلمين.
٥- تهجير العلماء و المتميزين لمجرد أنهم يرون أن البلد تسقط.
٦- الإعلان عن عدد كبير من المشاريع الوهمية المدنية والعسكرية ؛ الصواريخ القاهر والظافر كمثال، وهو ما تبين بعد ذلك أنها كانت أكذوبة.
7- منح الرتب العسكرية ورتبة اللواء لمدنيين دون مبرر، أو للتطبيل مثل الفنان محمد عبد الوهاب.
٧- عدم وجود حياة ديمقراطية واستفتاء على وجود الرئيس.
٨- شعارات جوفاء كمصر فوق الجميع ومصر قلب الأمة العربية.
٩- عدم الجاهزية القتالية للجيش وللقادة والأمثلة تمتلئ بها الكتب كمثال تغير الشفرة وعدم إبلاغ و حدات الجيش.
١٠ – الحفلات وأغاني تمجد الرئيس وتدبيج كتب تمتلئ باسمه.
وفي يونيو ٢٠٢١ لم يختلف الأمر كثيرا ما بين ابو الهزائم عبد الناصر والسفاح السيسي، نفس الأسباب بالحرف ومن يقول إن البلد تسقط يُتهم بالعمالة والخيانة، والسؤال هل أصبح شهر يونيو يمثل متلازمة للهزيمة في بلاد العرب؟

هل ارتبط قدوم الشهر بحدوث الكوارث الجماعية والهزائم المحورية والتحولات الإستراتيجية التي تغير من معالم المنطقة جغرافيا وتاريخيا؟

وهل وضعت انتكاسة الخامس من يونيو 1967 بذور التردي والضعف والانحلال السياسي والفرقة بين الأقطار العربية والاستبداد والقابلية للهزيمة جيلا بعد جيل منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم؟
وهل اكتسبت الشعوب العربية صفات جديدة منذ ذلك التاريخ الذي اضطرت فيه للتخلي عن مقدساتها تحت شعارات القومية العربية والزعامة الفارغة وفقدان الهوية التاريخية فتشوهت باللامبالاة والبلادة الفكرية نتيجة الهزائم المتكررة والمرتبطة بهذا الشهر حتى أنها استكانت لتسميتها بالنكسة وليس بالهزيمة المنكرة؟

Facebook Comments