في مصر أصبحت الرواتب لا تكفي الزيادات المسعورة في فواتير العسكر، حيث ارتفعت فواتير الكهرباء بنسبة 860%  خلال أعوام الانقلاب السبعة الماضية، وبمعدلات تفوق مضاعفة النسبة كل عام، في حين أن الأجور شبه ثابتة والجنيه فقد أكثر من نصف قيمته، وأصبح السؤال كيف يعيش المصريون بعد أن لجأ الكثيرون إلى الخبز وتالجبن والفول والطعمية في غياب الدواء والتعليم والسكن وفائض القمع، وما هو الحل؟
من الصعب أن تجد شعبا يترقب انتظار اشتعال الأسعار وزيادة نسبة الفقر بشغف كما يفعل المصريون، فعلى مدار سنوات الانقلاب السبع العجاف خيم الترقب الممزوج بالقلق على الشارع المصري وسط أنباء تشير إلى رفع أسعار الكهرباء والمحروقات بين الساعة والأخرى، وبين تأكيد الخبر والتزام حكومة الانقلاب الصمت، حالة من السخط تفرض نفسها على الجميع.

أفقرهم العسكر
زيادة جديدة في أسعار الكهرباء في مصر، أول يوليو المقبل، هي الثامنة للعام الثامن على التوالي منذ عام 2014، على الرغم من بلوغ الدعم حكومات الانقلاب المتوالية للكهرباء "صفر" للعام المالي الثاني على التوالي، بحسب بيان الموازنة للعام المقبل 2021/ 2022.
وكان قرار رفع أسعار شرائح الكهرباء أول قرار يتخذه السفاح عبد الفتاح السيسي، عند استيلائه على السلطة في يونيو 2014، حيث تضاعفت أسعار الكهرباء للشريحة الأولى الأكثر فقرا 850 بالمئة من 5 قروش إلى نحو 50 قرشا.
في المقابل، أعلنت حكومة الانقلاب دعم القطاع الصناعي بنحو 22 مليار جنيه بخفض سعر الكيلو وات 10 قروش لمدة خمس سنوات متتالية؛ بدعوى تنشيط القطاع الصناعي ضد آثار فيروس كورونا.
يقول حسن، وهو موظف حكومي يقطن في شقة صغيرة من غرفتين وصالة بمنطقة شعبية بالقاهرة: "قبل سنوات لم تكن تمثل فاتورة الكهرباء عبئا على كاهلي. كنت أدفع مبلغا بسيطا لا يتجاوز 30 جنيها شهريا".
ويضيف: "الآن أصبحت أدفع نحو 200 جنيه شهريا، مع العلم أنه ليس لدي أجهزة تكييف أو أي أجهزة كثيفة الاستهلاك للكهرباء".
وتابع: "اشتريت اللمبات الكهربائية الموفرة، وأصبحت حريصا وأفراد أسرتي على إطفاء اللمبات بشكل مستمر، ورغم ذلك الفاتورة في ارتفاع مستمر. ليست المشكلة الآن في كمية الاستهلاك، وإنما في السعر المتزايد باستمرار".
وفي متجر صغير للبقالة، يطفئ محمد الأنوار حين لا يكون عنده زبائن، ويوقف تشغيل الثلاجات بين ساعة وأخرى، بهدف توفير استهلاك الكهرباء.
ويقول: "قبل نحو عام، كانت فاتورة استهلاكي تتراوح بين 1500 إلى 2000 جنيه شهريا. الآن قفزت إلى ما بين 3000 إلى 3500 جنيه شهريا، ما قلل كثيرا من هامش أرباحي".
ويضيف محمد: "اضطررت لرفع أسعار بعض السلع، التي تعتمد على استهلاك الكهرباء، مثل المثلجات، المياه، المشروبات الغازية، واللحوم المجمدة. ماذا عساني أن أفعل"؟
أما رضوى صبري، وهي ربة منزل، فتقول: “لم نعد نستطيع مواجهة الغلاء سوى بالاستغناء عن الضروريات، لقد توقفت عن زيارة الطبيب بسبب ارتفاع أجرة المواصلات وبدل المراجعة الطبية، وتوقفت عن أخذ أدويتي مع أنني مريضة بالكلى، واستبدلتها بأعشاب طبيعية مثل الشعير والبقدونس، وأصبح همي توفير مستلزمات طفلي الوحيد”.
وتُضيف: “توقفت عن شراء الطعام الجاهز والآن أقوم بتحضير كل شيء في البيت حتى الخبز. حاولت العمل لمساعدة زوجي وهو مخرج حُر، لكنني لم أوفَّق وتركت العمل بعد شهر ونصف، بعد أن تم النصب عليّ، وأصبحنا لا نستطيع مواجهة الغلاء المستمر، فكل شهر أشتري مستلزمات البيت لأفاجأ في كل مرة، بأن الأسعار ارتفعت عن الشهر السابق فأضطر إلى تقليل الكميات. كما لم أعد أستطيع دفع فواتير الكهرباء لأنها تقريبا تعادل ميزانية البيت بالكامل”.
توضح رضوى قائلة: “أسكن في منطقة الدقي التي تُعتبر متوسطة الحال لكنني أرى نظرة الحزن والانكسار على وجوه الناس، فما بالك بالمناطق الشعبية، لقد طحن الغلاء الناس، لدرجة أن إحدى صديقاتي أخبرتني بعزمها بيع كليتها، كما أن حالات السرقة بالإكراه أصبحت شائعة بشكل مفزع، تعرضت شخصيا لها منذ شهرين بعد أن أُجبرت على تسليم مصروف الشهر لبلطجية تحت تهديد الأسلحة البيضاء وحمدت الله لأنهم لم يعتدوا عليّ كما حدث لابنة إحدى صديقاتي التي سُرقت وخُطِفت واغتُصبت قبل فترة وجيزة”.

شركات الجيش
من جهته يقول الدكتور مصطفى يوسف، مدير المركز الدولي للدارسات التنموية بكندا: "بلا شك، نظام السيسي يدعم ليس فقط رجال الأعمال على حساب المواطنين، بل يدعم مؤسسات وشركات الجيش من جيوب المواطنين".
مضيفاً أن "الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة يهيمن عليها ثلاثة أطراف؛ مؤسسة الجيش، ورجال الأعمال الكبار الموالين للنظام، ورجال الأعمال الإماراتيين والسعوديين، ويدعم الاقتصاد الإسرائيلي بشراء الغاز وبيعه للمواطنين بأسعار مرتفعة؛ للاستفادة من فرق السعر".
وحذر من أن "عجز الموازنة المتفاقم سوف يضاعف فرض الضرائب، ورفع الدعم، وزيادة أسعار الطاقة والمياه، ومضاعفة الرسوم؛ بسبب غياب الإنتاج الحقيقي، وعدم وجود استثمار خارجي في مجالات الإنتاج المختلفة، إضافة إلى وجود منافسة غير عادلة من الجيش، والمستثمرين الخليجيين المحظيين؛ وبالتالي فإن نظام السيسي يدعم فعليا رجال الأعمال والجيش من جيوب المصريين".
ودق نواب برلمان الدم التابع للمخابرات بشقيها الحربي والعام ناقوس الخطر، وذهب النائب المطبل للعسكر مصطفى بكري، إلى التحذير من زيادة معدلات الفقر، وتساءل خلال كلمة له: "كيف تنخفض معدلات الفقر ودعم الكهرباء في الموازنة الجديدة صفر، وهو ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة بالمئة؟ كما أن رفع دعم البوتاجاز سيعمل على زيادة الفاتورة بنسبة أربعة بالمئة".
وكانت تقارير أمنية صرحت بأن الشوارع المصرية شهدت 296 جريمة قتل بدافع السرقة، احتلت محافظة القاهرة المرتبة الأولى فيها، ومحافظة الجيزة المرتبة الثانية، ومحافظة القليوبية المرتبة الثالثة، ثم محافظة الإسكندرية المرتبة الرابعة، ومحافظة أسيوط في صعيد مصر احتلت المرتبة الخامسة، إضافة إلى انتحار 13 شخصا بسبب الفقر.
الفقر والدمار وحكايات السجون المظلمة وانتهاك حقوق الانسان وغيرها من الدوافع التي حرّكت الشارع المصري للخروج صادحا بصوت الحرية مدعوما بصوت عربي للتخلص من انقلاب السفاح السيسي في عام 2019، فهل يسقط هذه المرة؟ 

Facebook Comments