لا يتوقف هدم منازل الأهالي في الكثير من المناطق بمصر من أجل إنشاء محاور مرورية أو تسليم المناطق لمستثمرين وإلقاء أصحاب البيوت في شقق بعيدة عن العمران لا توازي على الإطلاق قيمة منازلهم التي تم هدمها؛ تكرر ذلك أخيرا في الكثير من المناطق ومنها السيدة عائشة والمنيب والهرم والإسكندرية ومطروح ووسط القاهرة، ووصلت معاول الهدم وآليات السيسي العسكرية إلى أقدم كمباوند حضاري مُنشأ على الطريقة البلجيكية، في حي الماظة بمصر الجديدة، والذي أنشاته منذ أكثر من 60 عاما شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، على نسق حضاري متميز.
قرار الإزالة جاء بكل بجاحة، وفق حديث مسئولي الانقلاب، لتوسعة شارع حسين كامل تسهيلا للوصول إلى العاصمة الإدارية الجديدة.
وعقب إبلاغ الأهالي بنية حكومة الانقلاب في هدم منازلهم سادت أجواء الهلع والغضب بين أهالي المنطقة الذين وصفوا القرار بأنه يُعبّر عن قصور حاد في العقلية الإدارية التي تدير البلد، إذ إنه لكي يعمر عاصمة، تهدم عواصم وأحياء نموذجية وحضارية عريقة.
وأرسل سكان منطقة ألماظة استغاثات إلى كافة مسئولي دولة الانقلاب شكون فيها من قرار نزع ملكيتهم الخاصة؛ بهدف توسيع الشارع بما يمثل ضررا جسيما بأمن وملكية أُسر وعائلات عاشت لعقود طويلة في المنطقة. 

ملكية خاصة

وأضافت استغاثة السكان المكلومين" أن وحداتهم السكنية ملكية خاصة تم شراؤها بعقود موثقة، ولهم حصة في الأرض من شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، وهي إحدى الشركات التابعة للدولة، وبالتالي فإنها ليست منطقة عشوائية أو مُغتصبة أرضها"، مستطردة "بأن جميع أهالي منطقة ألماظة ليسوا ضد التطوير، ولكن توجد بدائل كثيرة لتطوير الشارع بخلاف هدم منازلهم".
وبعد احتجاجات من الأهالي حاول نائب المحافظ تهدئة الأهالي الغاضبين، وبأنهم سوف يُزيلون الصف الأول من عمارات شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، ومساكن المحافظة بحي ألماظة بطول الشارع فقط، وهو ما أغضب الأهالي الذين لم يعودوا يثقون بوعود مسئولي الانقلاب، مؤكدين، في تغريدات على التواصل الاجتماعي، بأن هدم الصف الأول مجرد اختبار وسيلحقه العديد من معاول الهدم لازالة الحي الراقي.
وكعادة المسئولين بزمن العسكر، كانت الحلول المطروحة من المحافظة هي الحصول على مسكن بديل في حي "أهالينا 3" في نهاية شارع جسر السويس بالقرب من مساكن قُباء (منطقة شعبية)، أو في مدينة السلام، أو في مدينة الشروق، أو الحصول على تعويض مالي وفقا لتقدير خبراء مثمنين من الحي،وهو ما يصل لـ40 ألف جنيها للغرفة الواحدة، وذلك دون اعتبار لموقع المساكن الواقعة في أرقى مناطق القاهرة. 
وكان سكان ألماظة أكدوا، في الاجتماع، أن حياتهم وأعمالهم ومدارسهم مرتبطة بهذا المكان، وكذلك هناك الكثير من كبار السن الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا يمتلكون القدرة الجسدية على النقل بهذا القرار المفاجئ للكل، وما يترتب عليه من أذى نفسي ومعنوي وجسدي،ولكن دون جدوى من المسئولين.
وبحسب ما كتبت إسراء رمضان ، إحدى أهالي المنطقة، على فيسبوك: "سيموت آباؤنا وأمهاتنا حسرة، فمنطقة ألماظة هي حياة لنا، وليست سكنا، فيها المسلم والمسيحي إخوة من المحيا إلى الممات"، مضيفة: "ألماظة هي أول كمبوند (تجمع سكني) في قلب مصر الجديدة منذ ستينات القرن الماضي، ولمن لا يعلم فهي أول طراز حضاري يجمع بين التنسيق والمناطق الخضراء والطرق الواسعة على الطراز البلجيكي، عندما كانت إدارة شركة مصر الجديدة بلجيكية".
يُشار إلى أن الأهالي استيقظوا خلال الأسبوع الماضي، على وجود أشخاص من حي مصر الجديدة يجمعون بيانات السكان ويقومون بحصر أعدادهم وعدد غرف الوحدات السكنية ومساحتها، حينئذ أدرك الأهالي أن الإزالة ستتم، وذهب البعض للتأكد من ذلك من الحي فقيل لهم إن الإزالة ستشمل الصف الأول لتوسعة الطريق.
وأضافت: "احنا مش بيوت مخالفة زي اللي اتشالت في الهرم، ومش عشوائيات عشان تطلعونا من بيوتنا، وتودونا في مكان تختاروه على مزاجكم، دي عمارات بقالها 25 سنة، وحي مصر الجديدة هو اللي بانيها، يعني لا مخالفة ولا عشوائيات، الطريق هايوسع من بيوت الناس، بس مش من أرض المطار اللي معمول فيها كافيهات ومطاعم، وطبعا الصف الأول لو اتشال اللي وراه هايتشال حتى لو مش دلوقت.. ساعدونا نوقف المهزلة دي".

نزع جبري لملكيات المصريين
وكان مجلس نواب السيسي وافق في العام الماضي على تعديل قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، بغرض منح رئيس الجمهورية، أو من يفوّضه، سلطة تقرير المنفعة العامة، تسريعا لوتيرة إجراءات نزع الملكية من المواطنين بشكل جبري، وذلك للانتهاء من مشروعات الطرق والجسور الجاري تنفيذها في بعض المحافظات، ومنح المحافظين المختص سلطة إصدار قرارات الاستيلاء المؤقت على بعض العقارات المملوكة للمواطنين في حالات الضرورة.
وخلال الفترة الأخيرة، اعتقل الأمن عددا من أهالي شارع ترسا بحي الهرم، على خلفية تظاهرهم ضد قرار محافظة الجيزة بإزالة مساكنهم لتوسعة الشارع، على الرغم من عدم مخالفتها قانون البناء؛ وذلك حتى يكون بديلا لشارع الهرم الرئيسي خلال فترة إغلاقه جزئيا، بسبب أعمال تنفيذ الخط الرابع من مترو الأنفاق.
ووجهت أكثر من 250 أسرة مهددة بهدم عقاراتها في شارع ترسا استغاثة لمسؤولي العسكر بعدما أُدخلت منازلهم ضمن مخططات توسعة الشوارع البديلة لشارع الهرم؛ رغم أنها مرخصة بالكامل، مقابل الحصول على 40 ألف جنيه فقط عن الغرفة تعويضا من المحافظة، أو الانتقال للسكن في وحدة لا تتجاوز مساحتها 63 مترا تقع في منطقة نائية بمدينة السادس من أكتوبر.
وفي مارس الماضي، أعلن وزير النقل بحكومة الانقلاب كامل الوزير عن إزالة نحو 1200 عقار مأهول بالسكان من أجل توسعة الطريق الدائري، الرابط بين محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية، مقابل منح المواطنين تعويضات تبلغ 40 ألف جنيه للغرفة الواحدة، مع اعتبار صالة الاستقبال والمطبخ غرفة واحدة، أي ما يصل إلى 160 ألف جنيه للوحدة السكنية المكونة من ثلاث غرف.
وتراوح أسعار الوحدات السكنية المُطلة على الطريق الدائري في مصر بين 500 و800 ألف جنيه في المتوسط، أي أن قيمة التعويض لا تتجاوز نسبة 20% من سعر الوحدة الفعلي، علما أنه لا توجد وحدات في محافظات القاهرة الكبرى تبلغ قيمتها 160 ألف جنيه في الوقت الراهن، على إثر تضاعف أسعار العقارات نتيجة قرار تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار في أواخر عام 2016.
ومؤخرا واجهت قوات أمن الانقلاب بالإسكندرية مظاهرات أهالي عزبة نادي الصيد الرافضة لإخلاء منازلهم، بالاعتقال وتلفيق قضايا مقاومة السلطات، وهو ما سبق أن تم في جزيرة الوراق المستهدف إخلائها ومنحها لمستثمرين إماراتيين.

Facebook Comments