الخدمة الوحيدة التي تقدمها تجربة السلطة الفلسطينية للشعوب العربية أنها تقدم نموذجا حيا لدور الأميركان والغرب في صناعة النظم المستبدة في البلاد العربية وتمكين هذه النظم بما يضمن وجودها وبقاءها وأداء الأدوار المرسومة لها بما يضمن المصالح الغربية في المقام الأول وإجهاض أي توجهات تكرس الديمقراطية أو الهوية الإسلامية في بلادنا، تجربة السلطة الفلسطينية قد تمكِّن الباحثين والخبراء والمحللين من رصد أبعادها من كافة الأوجه والزوايا، والقوى المهيمنة على تشكيلها ودور الغرب والاحتلال في وضع فلسفتها وتوجهاتها بالغة الاستبداد والفساد.
السلطة الفلسطينية على هذا النحو نموذج كاشف؛ فقد جاءت عبر اتفاق أوسلو سنة 1993م مع الاحتلال تحت رعاية الولايات المتحدة الأميركية، ومباركة أوروبية وعربية واسعة. الهدف الرئيس من تأسيس هذه السلطة هو مواجهة المقاومة الفلسطينية المسلحة وإكراه الشعب الفلسطيني على القبول باحتلال أكثر من 78% من أراضيه التي احتلت سنة 1948م والإقرار أنها باتت دولة أخرى هي "إسرائيل" وبالتالي لا يحق لهم أن يطالبوا بهذه الأراضي مرة أخرى. بل إن هذا الاتفاق لم يضمن حتى تحرير الأراضي التي احتلتها إسرائيل سنة 1967م، ولم يضمن أن تكون القدس عاصمة لفلسطين المرتقبة التي وعدوا بالاعتراف بها سنة 1999م. ولم يضمن عودة اللاجئين الفلسطينيين لبيوتهم التي أخرجوا منها. مضت السنوات ولم تقم دولة فلسطين ولم يبق للفلسطينيين سوى السلطة بأدوارها الوظيفية الأمنية المشبوهة التي تمثل الحارس الأول لحماية الاحتلال ووأد أي نشاط فلسطيني مقاوم، وتاريخ السلطة في هذا الأمر زاخر بكل صنوف السلوكيات المشينة والمخزية.
ويكفي أن هذه السلطة تعتمد في بقائها على الاحتلال الذي يمدها بكل أسباب الوجود والبقاء حتى تؤدي هذه الأدوار الأمنية المشبوهة في خدمة الاحتلال والتجسس على الشعب الفلسطيني ونقل كل هذه المعلومات إلى أجهزة الاحتلال الاستخبارية.
هذه سلطة أقل حتى من السلطة الذاتية، فلا جيش يحمي الأراضي التي تحكمها بل هذا منوط بجيش الاحتلال، ولا يوجد لهذه السلطة موارد مالية ذاتية تستطيع بها الوفاء بالتزاماتها المالية، لكنها تقوم على المساعدات الدولية والعربية وما ينعم به الاحتلال عليها. وحتى قيادات هذه السلطة لا يستطيعون التنقل من خارج مناطق الحكم الذاتي إلا بعد تأشيرة من الاحتلال!
وأمام هذه الوضع الهش والمذل للسلطة وقادتها إلا أنها تستأسد فقط على شعبها الفلسطيني وتمارس بحقه أبشع صنوف الإهانة والتعذيب والبطش. وما مقتل الناشط نزار بنات داخل مقر جهاز الأمن الوقائي في مدينة الخليل بعد اعتقاله بساعات إلا نموذج صغير لما تقوم به هذه السلطة من أدوار بالغة الإجرام في حق الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة.
بعد اغتيال نزار بنات تعالت الأصوات المنددة والمدينة لهذه الممارسات القمعية من جانب سلطة ذاتية شديدة الانبطاح والمذلة أمام الاحتلال، وخرجت مظاهرات في رام الله والخليل تهتف بسقوط هذه السلطة وتطالب برحيل زعيم عصابتها محمود عباس أبو مازن، لكن هذه السلطة الذليلة الوضيعة قابلت هذه المظاهرات الشعبية بقمع وحشي واعتدت على المشاركين فيها واعتقلت العشرات، وهي السلطة التي لم تطلق رصاصة واحدة ضد الاحتلال خلال العدوان الأخير على غزة والذي انتهي بانتصار المقاومة التي أذلت العدو وأصابته بشلل تام خلال أيام الحرب من 10 إلى 21 مايو 2021م في معركة "سيف القدس".
قمع السلطة للمظاهرات المنددة باغتيال نزار بنات كان مفرطا وقاسيا وعنيفا إلى الحد الذي دفع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين إلى إصدار بيان الأحد 27 يونيو 2021م، يؤكد فيه أنه يشعر بالصدمة من سلوك قوات الأمن الفلسطينية في مدينة رام الله، حين فضت بالقوة مسيرة مساء السبت تطالب بالتحقيق في ظروف اغتيال الناشط الفلسطيني نزار بنات على يد قوات الأمن. وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، إن فريقه الذي كان حاضراً في المكان، شهد استخداماً وحشياً للقوة ضد المتظاهرين، كما أنه شهد منع عمل الصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان. البيان الأممي طالب السلطة بالسماح بحرية الرأي والتعبير والتجمع. اللافت في قمع السلطة لهذه المظاهرات أنها استعانت بقواتها الرسمية وآخرين بملابس مدنية اندسوا وسط المتظاهرين للمساعدة في اعتقال الكثيرين منهم وثبت أنهم عناصر تابعة لحركة فتح يدعمون مواقف السلطة ورئيسها أبو مازن.
وتعبيرا عن تماسك السلطة ووقوف حركة فتح خلفها أصدرت الحركة بيانا مستفزا اتهمت فيه المتظاهرين بمحاولة "حرف البوصلة عن مواجهة الاحتلال"، وأطلقت حركة "فتح" تهديدات شديدة اللهجة للناشطين الفلسطينيين، ملوحة باستخدام القوة ضد الشارع المناهض لانتهاكات أجهزة أمن السلطة. وهددت كذلك بالدخول في معركة الدفاع عن "السلطة"! لهذا ــ وهذا فقط ــ يصر الاحتلال ومن ورائه الأميركان والغرب على دعم السلطة وضمان بقائها لخدمة "إسرائيل" وضمان أمنها واستقرارها على حساب فلسطين وشعبها ومقدساتها.
لا شك أن تأسيس النظم الحاكمة في البلاد العربية قد مرت بأطوار شبيهة بتلك المراحل التي مرت بها السلطة الفلسطينية، فما كان للقوى الغربية الإمبريالية ذات الأطماع الواسعة أن تأخذ عصاها وترحل في منتصف القرن العشرين هكذا في هدوء إلا بعد تستيف الأمور وضبط بوصلة النظم الوارثة لها في بلادنا العربية بما يحقق مصالح المحتل القديم. فذهبت لكنها تركت لنا وكلاءها المتغطرسين الذين يحكمون بلادنا بالحديد والنار.
معنى ذلك أن النظم التي سيطرت على البلاد العربية في مرحلة ما بعد الاحتلال لم تكن سوى صنيعة هذا الاحتلال ذاته، أو على الأقل جرى تأسيسها وفق دعمها من جانب قوى دولية كبرى أخرى مكنته من أجل تحقيق مصالحها وأطماعها في المنطقة. ولم تكن هذه النظم في يوم من الأيام معبرة عن أحلام الشعوب وطموحها في الحرية والاستقلال؛ يبرهن على ذلك أن هذه النظم مهما اختلفت مسمياتها (رئاسية جمهورية ــ ملكية ــ إمارة ) لم تحظ بثقة شعوبها على نحو سليم وصحيح وفق أي أداة ديمقراطية نزيهة، ولذلك لجأت باستمرار إلى صناعة انتخابات مزيفة وبرلمانات مزورة وحكومات معينة بعدما تمكنت من السيطرة على البلاد وفق معادلات سرية جرت مع الاحتلال السابق أو مع إحدى القوى الدولية الأخرى صاحبة النفوذ الكبير.
السعودية قامت على أساس الاتفاقات السرية بين آل سعود والبريطانيين ثم مع الأميركان بعد ذلك، والنظام في مصر قام على أساس دعم أميركي كما أوضح "ماينز كوبلاند" في كتابه "أحجار على رقعة الشطرنج"، حول ثورة يوليو الأميركية كما كتب جلال كشك، ويكفي أن معاهدة كامب ديفيد هي الأساس الذي يقوم عليه نظام الحكم في مصر حاليا بما يحويه من بنود سرية لا يعرف المصريون عنها حتى يومنا هذا شيئا.
الخلاصة أن بلادنا لن تتحرر بشكل كامل إلا إذا تحررت من وكلاء الاحتلال وثارت على هذه النظم القمعية البوليسية وأسست لنظم حكم جديدة تقوم على أن السيادة الحقيقة للشعوب لا الأجهزة وأن صانع القرار الحقيقي هو الشعب وليس الحاكم الطاغية، وأن كرامة الدولة من كرامة شعبها ومكانتها بين العالم مرهونة بمدى احترامها لكرامة مواطنيها وحقهم في الحرية والعدالة والحياة.