حالة من الرعب الشامل عاشتها (إسرائيل) بعد نجاح ثورة 25 يناير في الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك الذي كانت تصفه الدوائر العبرية بالكنز  الإستراتيجي لإسرائيل ، وكانت دوائر صنع القرار ومحافل التقدير الإستراتيجي في تل أبيب، قد انطلقت من افتراض مفاده أن عجلة التحولات التي أطلقتها الثورة في تونس ومصر مرشحة للوصول إلى مناطق أخرى، بشكل يفضي إلى تحول في البيئة الإقليمية ويفاقم مستوى المخاطر الاستراتيجية. وهي التخوفات "المشتركة" التي عزَّزت التحالف الإسرائيلي مع عواصم خليجية كالرياض وأبو ظبي وهي الدول التي تآمرت مع إسرائيل على الربيع العربي من أجل إجهاضه والقضاء على الروح الثورية العربية وإفساد كل تجارب التحول الديمقراطي العربي حتى تصبح خريفا عربيا على النحو الذي رأيناه.

إزاء هذه التنبؤات التشاؤمية على مستقبل الكيان الصهيوني في أعقاب اندلاع الربيع العربي، تعاظمت الدعوات داخل تل أبيب مطالبة بالاستعداد للتقشف وتحمل تبعات زيادة النفقات الأمنية والتعود على تقليص الموازنات المخصصة للخدمات والبنى التحتية والتسليم بالمس بمخصصات الضمان الاجتماعي. وقد سادت مخاوف من أن تسهم ثورة 25 يناير في تقليص مظاهر استقلال القرار السياسي الإسرائيلي من خلال زيادة الارتباط بالدعم المالي والسياسي الذي تقدمه الولايات المتحدة والغرب لمواجهة تبعات الثورة.

https://www.youtube.com/watch?v=Ejmdg6K2MDM

هذه المخاوف دفعت حكومة الاحتلال وأجهزته الأمنية  إلى التخطيط والعمل على نطاق واسع من أجل إجهاض المسار الديمقراطي في مصر ووأد الروح الثورية التي بثت الروح في مصر التي بدا أنها تفيق من غيبوبة طويلة امتدت لقرون، وجددت الحياة في عروق المصريين بعد عقود من التهميش والقمع تحت حكم نظام 23 يوليو العسكري؛ واليوم بات الدور الإسرائيلي في إنجاح انقلاب 30 يونيو العسكري بمصر من المعلوم من تاريخ مصر بالضرورة؛ ولا مجال لإنكاره والتشكيك فيه من جانب أنصار النظام العسكري أو القوى العلمانية التي أيدته بشكل مطلق؛ خصوصا بعد الاعترافات الإسرائيلية التي وصلت حد التفاخر والتباهي بهذا الشأن.

ومن أبرز قادة الاحتلال الذين اعترفوا بهذا الدور بنيامين نتنياهو رئيس وزراء حكومة الاحتلال؛ الذي أقر بالدور الكبير الذي لعبته حكومته وجهاز الموساد التابع لها في الانقلاب الذي نفذه السيسي في 30 يونيو 2013م، وكيف وضعت حكومة الاحتلال إسقاط حكم الرئيس محمد مرسي والمسار الديمقراطي كله ونسف جميع مكتسبات ثورة يناير كأولوية قصوى على رأس أجندة الحكومة الإسرائيلية، يقول نتنياهو في مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي: «لقد حاولنا مرارا أن نتواصل مع السلطة الحاكمة في مصر عام 2012، ولكننا فوجئنا أن هذه السلطة ترانا كأعداء لها، وأن (إسرائيل) احتل بلد عربي شقيق؛ ولذلك كان لا بد لنا من التخلص من هذه السلطة التي لا تريد سلاما، خصوصا بعدما أعلنه الرئيس مرسي وأوضح لنا نيته في أنه يريد أن يتخلص من دولة (إسرائيل)».

https://www.youtube.com/watch?v=tOQov2YSF6M

وكانت مجلة «الدفاع الإسرائيلي» المتخصصة في شؤون الأمن،  قد كشفت عن استهداف حكومة الاحتلال لنظام الرئيس مرسي بمجرد انتخابه مباشرة؛ وأكدت تورط «الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية والأميركية في التجسس على مصر عام 2012 وجمع معلومات استخبارية عنها»، وأوضحت أن وحدة الاستخبارات الإلكترونية (الإسرائيلية) المعروفة بـ «وحدة 8200» ووكالة الأمن القومي الأميركية (NSA)، قد تعاونتا في التجسس على مصر، خلال عام 2012، بعد انتخاب «محمد مرسي». وأفادت المجلة بأن قيادة الاستخبارات الوطنية الأميركية (ODNI) أمرت، في يوليو 2012، وكالة الأمن القومي بتوسيع التعاون مع «وحدة 8200» في مجال جمع المعلومات الاستخبارية عن مصر، حيث تم التشاور بين الجانبين في اختيار أهداف استراتيجية، لجمع المعلومات عنها، بحسب تسريبات «ويكيليكس».

https://www.youtube.com/watch?v=kNQIvMdSigg

وانعكاسا لحالة الرعب، التي أصابت الاحتلال بعد نجاح ثورة 25 يناير في الإطاحة بمبارك يمكن رصد الإجراءات التالية:

أولا، قامت على الفور بإجراء اتصالات مكثفة مع إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، لتقديم دعم عسكري ضخم بهدف إعداد الجيش الإسرائيلي لمواجهة المخاطر المتوقعة من الجنوب. وقد طار إيهود باراك، الذي كان وزيراً للدفاع عند اندلاع الثورة، على عجل إلى واشنطن، وقدم طلباً للحصول على مساعدات إضافية بقيمة 20 مليار دولار.

ثانيا، وصل الأمر بأفيغدور ليبرمان، الذي كان وزيراً للخارجية في ذلك الوقت، إلى المطالبة بإعادة رسم خارطة المخاطر الاستراتيجية التي تهدد إسرائيل، إذ اعتبر أن "مصر الثورة أكثر خطورة من إيران النووية". ليس هذا فحسب، بل إن ليبرمان أصر على أن يعقد المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن عدة جلسات لتدارس سبل مواجهة التهديدات التي تأتي من الجنوب. وأقر المجلس، في أعقاب تلك الجلسات، إدخال تحولات جذرية على منظومة بناء القوة العسكرية، وضِمن ذلك إعادة الاعتبار لقيادة المنطقة الجنوبية، بوصفها الجهة التي ستتحمل مسؤولية مواجهة المخاطر المحتملة، التي ستصدرها مصر الثورة.

https://www.youtube.com/watch?v=9zCtJttTBJA

ثالثا، كشف الموقف القوي للرئيس محمد مرسي في دعمه للمقاومة الفلسطينية خلال العدوان الإسرائيلي على غزة في حرب 2012م عن تراجع في قدرة تل أبيب على مواجهة المقاومة واعترفت تقديرات الموقف الإسرائيلية أن الظروف التي شنت فيها "إسرائيل" حربها على غزة في 2012 أثناء حكم  مرسي كانت أصعب بكثير من ظروف حربي 2008 في عهد مبارك و2014 في عهد السيسي. وأمام هذا الموقف القوي في دعم المقاومة الفلسطينية ألقت وزير الخارجية بحكومة الاحتلال وقتها تسيبي ليفني محاضرة في 17 نوفمبر، نظمها "معهد الأمن القومي الإسرائيلي، هددت فيه نظام الرئيس مرسي وكل نظام عربي أو إسلامي يقف إلى جانب المقاومة الفلسطينية وقالت نصا:"كل قائد ودولة في المنطقة، يجب أن يقرروا أن يكونوا جزءا من معسكر الإرهاب والتطرف، أو معسكر البراغماتية والاعتدال، وإذا قرر قائد دولة ما مسارا آخر فسيكون هناك ثمن لهذا".

وبخصوص الرئيس مرسي تحديدا شددت ليفني: "لدينا متطرفون أكثر في المنطقة، وقادة يريدون أن يختاروا مسارهم وطريقهم، لدينا في مصر مرسي الذي يمثل جماعة الإخوان المسلمين، ويجب أن نتكاتف سويا، ونتحد ضد هؤلاء، الذين يعادوننا، وأن نفعل شيئا، فمسؤولية أي حكومة إسرائيلية هي العثور على طريقة علنية أو غير علنية، للسيطرة على التغيير الحادث في المنطقة، والتأثير في تشكيل مستقبلها".

ونجحت إسرائيل في العثور على طريقة غير علنية تمكنت من خلالها من تجنيد السيسي وبعض قادة المؤسسة العسكرية الكبار والذين تفرغوا لإجهاض الثورة والقضاء على الإسلاميين تنفيذا لأجندة الكيان الصهيوني وحماية له من التهديدات الكبرى التي كانت تحاصره أيام مصر الثورة والرئيس الشهيد محمد مرسي. ويكفي أن السيسي كان يخابر السي آي إيه والبنتاجون الأميركي وقد اعترف تشاك هيجل وزير الدفاع الأميركي في تصريحات لوسائل إعلام أميركية أن السيسي قبل الانقلاب بشهور تواصل معه لأكثر من خمسين مرة يخبره بكل التفاصيل والتطورات وكان بعض هذه المكالمات تمتد لساعات طويلة!

https://www.youtube.com/watch?v=lBmcvcPsVuo

 

Facebook Comments