برلمان السيسي يشرعن الصناديق والحسابات الخاصة.. باب خلفي للفساد

- ‎فيتقارير

وافق مجلس شيوخ العسكر،الإثنين 5 يوليو 2021، على إنشاء صناديق وحسابات خاصة جديدة بناء على قانون، وتخصيص موارد معينة لبرامج واستخدامات محددة لهذه الصناديق والحسابات، وإعدادها على مستوى الجهة التي تتضمنها الموازنة العامة للدولة، وحدة واحدة، والنقل بين اعتماداتها فيما بينها بموافقة السلطة المختصة. وذلك ضمن مناقشته مشروع قانون المالية الموحد، المقدم من الحكومة، تمهيدا لإقرار بقية مواد القانون البالغة 79، الثلاثاء، وإحالته إلى مجلس نواب العسكر لأخذ الموافقة النهائية عليه.

ونص القانون على أن يعد للصندوق أو الحساب الخاص موازنة خاصة به، طبقا للقواعد والأحكام المنصوص عليها في القانون، ويكون تمويل برامجه واستخداماته عن طريق موارده، بشرط مراعاة تضمن الحساب الختامي للجهة ما يتم صرفه وتحصيله من الصندوق خلال السنة المالية.

ووفق مراقبين ماليين، فإن الكثير من الشكوك تحيط بالقانون، حول الغاية من الصناديق والحسابات الخاصة في مصر ومن أنها تشكل بابا خلفيا للفساد، بوصفها ستارا لإهدار المال العام من جانب الوزراء، والمحافظين، ورؤساء الجهات الحكومية المختلفة، إذ إن موارد هذه الصناديق والحسابات تأتي عادة من الرسوم المفروضة على المواطنين، وتوزع في شكل مكافآت وحوافز على المسؤولين في الدولة، وحاشيتهم المقربة.

وتغيب الشروط المحاسبية لمراقبة الأموال في هذه الصناديق والحسابات الخاصة، لا سيما التابعة للجهات السيادية في وزارات مثل العدل والداخلية، في وقت قدر فيه تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات، وصول تكلفة الفساد داخل الجهاز الإداري للدولة في عام 2015 إلى 600 مليار جنيه. وهو التقرير الذي أطاح برئيس الجهاز السابق، المستشار هشام جنينة، من منصبه، واعتقاله لاحقا، على خلفية مشاركته في حملة ترشح رئيس أركان الجيش السابق، الفريق سامي عنان، لهزلية الانتخابات الرئاسية عام 2018.

وتعتمد الصناديق الخاصة في مواردها بشكل رئيسي على الرسوم المالية المحصلة من المواطنين، على غرار رسوم الطرق للمركبات، والنظافة، ودخول الأماكن السياحية، ومواقف السيارات، والطوابع والدمغات الحكومية، وغرامات التأخير، وتذاكر المستشفيات، بالإضافة إلى رسوم مثل استخراج رخصة القيادة وتجديدها من إدارات المرور، وحصيلة التصرف في الأراضي المعدة للبناء، وإيجارات وأقساط المساكن المملوكة للمحافظات.

ووفق دراسات محاسبية وقانونية، لا تخضع أموال الصناديق الخاصة لأي رقابة من السلطتين التنفيذية والتشريعية، فضلا عن امتلاكها حسابات فرعية ببنوك تجارية بالعملات الأجنبية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن قيمتها تبلغ نحو 1.272 تريليون جنيه لإجمالي 7 آلاف صندوق.

ووافق مجلس شيوخ الانقلاب، الإثنين، على 50 مادة من مشروع قانون المالية الموحد، المقدم من حكومة الانقلاب، تمهيدا لإقرار بقية مواد القانون البالغة 79، الثلاثاء، وإحالته إلى مجلس نواب العسكر لأخذ الموافقة النهائية عليه، والهادف إلى دمج قانوني الموازنة العامة للدولة والمحاسبة الحكومية في تشريع موحد.

 

سبوبة الفاسدين

وبحسب تقريربرلماني سابق، فإن 95% من أموال الصناديق تُنفق على شراء الهدايا ومنح البدلات والمكافآت لبعض المسئولين. وبحسب رئيس وزراء أول حكومة للانقلاب في 2013، الدكتور حازم الببلاوى، «يصل ما يحصل عليه المسؤول الواحد من الصناديق 100 ألف جنيه شهريا مقابل 300 جنيه للموظف الصغير".

وتعتمد الصناديق الخاصة بالأساس فى تجميع مواردها على الإيرادات الناتجة عن فرض رسوم على بعض الخدمات العامة، لذلك يعتبر إبراهيم يسرى، عضو فى الجهاز المركزى للمحاسبات، أن إيرادات الصناديق الخاصة «ما هى إلا تبرع إجبارى تتم جبايته من جيب المواطن أو المقيم فى مصر».

فهذه الموارد تتمثل فى كل ما يدفعه المواطن من مبالغ للجهات المختلفة، بداية من تذاكر الزيارة فى أى مستشفى حكومى، ومصاريف تركيب عدادات المياه والكهرباء والغاز، مرورا بـ«الكارتة» التى تفرضها المحليات على مداخل ومخارج المدن ومواقف سيارات النقل الجماعى، أو رسوم استخراج بطاقة الرقم القومى أو تراخيص المرور. وكذلك مقابل الخدمات التى تقدمها وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب للمواطنين، ورسوم رخص المحليات بأنواعها المختلفة من ورش ومصانع ومحال تجارية، والغرامات التى يسددها أصحاب المخابز، والإتاوات المحصلة من مستخدمى المحاجر، وبعض الرسوم التى يدفعها الطلاب بالجامعات والمعاهد العليا، وغير ذلك.

وبعض الصناديق تعتمد أيضا على بعض الهبات التى تقدمها جهات أجنبية، لذلك توجد صناديق بالعملة الأجنبية، مثل بعض صناديق الجامعات التى تحصل على مساعدات خارجية بهدف تشجيع البحث العلمى. أو صناديق السياحة التى تعتمد فى إيراداتها على فرض رسوم أو ضرائب على السياح الوافدين لمصر والتى تكون حصيلتها بالعملة الأجنبية.

وبعد إنشاء عدد من الصناديق فى بعض الوزارات، اكتشفت بعض الجهات، خاصة فى المحليات، أن تلك الصناديق «منجم ذهب»، فبدأت هى الأخرى تطلب إنشاء صناديق خاصة بها. وقد تحقق ذلك بشكل قانونى من خلال قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 والذى حدد للمحليات إنشاء صناديق للخدمات والتنمية المحلية والإسكان الاقتصادى واستصلاح الأراضى هذا بالإضافة إلى صناديق النظافة.

 

فوضى المرتبات

ويحمل الخبراء مسئولية «كارثة الصناديق» إلى الحكومات السابقة التى تسببت فى «فوضى المرتبات».. فعندما ارتفعت الأسعار فى مصر بشكل جنونى ومستمر دون أن يقابل ذلك زيادة فى المرتبات، لجأت الحكومات إلى صرف بدلات كثيرة وحوافز، مثل حافز الإثابة، وبدل غلاء المعيشة، وغيرهما، وكان الغرض من ذلك هو التحكم فى دخل الموظف، فمن الممكن زيادة أو تخفيض الحوافز ولكن لا يمكن تحريك الأجر الحكومى الثابت.

وتطور الأمر حتى أصبح مرتب الموظف يمثل 20% من أجره، والحوافز والبدلات 80% منه، مع ملاحظة أن المعاش يتم حسابه تبعا للأجر الأساسى وليس إجمالى الدخل، وقد تزامن هذا الأمر مع ظهور قطاعات تستقطب كفاءات تتقاضى مرتبات مرتفعة جدا. «ونتيجة فوضى المرتبات أصبح كل من لا يستطيع إيجاد طريقة لزيادة راتبه، يلجأ لتأسيس صندوق خاص لأى غرض حتى يتمكن من زيادة دخله.

وكانت الحكومات فى عهد مبارك تستخدم تلك الصناديق لشراء الناس، وفى نفس الوقت من كان يحالفه الحظ وينجح فى التقرب للمسئولين عن الصناديق تكون طاقة القدر انفتحت له. فعلى سبيل المثال، الأساتذة الذين تكون علاقتهم قوية بعمداء الجامعات، يتم ترشيحهم كثيرا للسفر للخارج من أموال الصناديق تحت اسم «بعثات تعليمية». وفي عهد السيسي استحوذت ما تسمى بـ«الجهات السيادية» على الصناديق الخاصة والتي استخدمها السيسي في شراء الولاءات والسيطرة الأمنية والمالية على المواطنين.