تأخذ الحكومات باليد اليسرى، ما تعطيه للمواطن باليمنى، بل ولا تتورع عن وضع يدها الطولى الغليظة والمحمية أمنياً في جيب الموطن "المخروم" أصلا وفي الوقت الذي تشاء وبالطريقة التي تراها.

جيب بات جافاً عطشاً بسبب القفزات العنيفة والمستمرة في الأسعار، وتزايد أعباء الحياة، والإجراءات الحكومية التقشفية الشديدة، من إلغاء الدعم وتقليصه وتحميل المواطن تكلفة كل شيء، وكأن هذه الحكومات باتت تمارس دور السمسار والتاجر الجشع، لا دور الموفر للاحتياجات الرئيسية للمواطن وبتكلفة مناسبة.

باتت اللعبة معروفة لدى هذه الحكومات، ترفع الأسعار إلى مستويات كبيرة، بما فيها رغيف الخبز والبنزين والسولار والغاز المنزلي والكهرباء والمياه والضرائب والرسوم الحكومية ومصروفات التعليم والصحة والمواصلات وغيرها من أعباء الحياة.

وعندما يئن المواطن المغلوب على أمره ويبدي بعض الغضب، تسارع تلك الحكومات وتُظهر نفسها على أنها المنقذ، حيث تلقي له بجزء من عظمة تتمثل في زيادات هزيلة في الأجور والرواتب والمعاشات لا تغطي سوى النزر البسيط من تكلفة الحياة.

بالطبع تقتصر تلك الزيادة على موظفي الدولة، أما باقي المواطنين فلا ينالهم من العظمة أو جزء منها شيء، فالقطاع الخاص يرفض كالعادة زيادة الأجور، كما ينتمي باقي المواطنين إلى العمالة الموسمية التي لا تلقى أي نوع من الحماية داخل دول المنطقة.

في سورية مثلا رفعت الحكومة، قبل أيام قليلة، أسعار العديد من السلع الرئيسية، مساء يوم السبت، فقد تمت زيادة سعر الخبز بنسبة 100%، ليصبح سعر الربطة 200 ليرة، بدلاً من 100 ليرة، وارتفع سعر لتر المازوت بأكثر من 177%، من 180 ليرة إلى 500 ليرة، وأعلاف الحيوانات 60%. وقبلهما مباشرة تمت زيادة أسعار البنزين والسكر والأرز وغيرها من السلع الغذائية.

يأتي في الوقت الذي يعاني فيه المواطن من تهاوي قيمة عملته الوطنية التي تراجعت من 50 ليرة للدولار في العام 2011 إلى أقل من 3200 ليرة حاليا، وزيادات قياسية في كل أسعار السلع والخدمات، بما فيها أسعار الوقود والمواد التموينية.

وعقب تلك الزيادات، سارعت حكومة بشار الأسد إلى ممارسة لعبتها التقليدية والماكرة، وهي رفع رواتب وأجور العاملين المدنيين والعسكريين وأصحاب المعاشات التقاعدية، والإعلان عن رفع الحد الأدنى العام للأجور، لتواصل بذلك سياستها الفاشلة بامتياز في إدارة الأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية، ويتحدث إعلامها عن إنجازات اقتصادية وطفرات غير مسبوقة في الرواتب والأجور.

وفي السودان، حدّث ولا حرج عن زيادات أسعار السلع والخدمات، وانجراف الحكومة نحو إلغاء الدعم عن الوقود وتطبيق شروط صندوق النقد الدولي والدول الدائنة المتعلقة بزيادة الضرائب ووقف دعم الوقود وتعويم الجنيه وغيرها.

ويكفي القول إن معدل التضخم قفز إلى 379% في شهر مايو الماضي، وبلغ 970% في ولاية القضارف، وهو المعدل الأعلى في العالم.

وبدلا من أن توقف حكومة حمدوك قفزات الأسعار التي تفوق قدرة الغالبية العظمى من المواطنين، راحت تلوّح بزيادات هزيلة في الرواتب والأجور، مواصلة بذلك سياسة الخداع التي تمارسها على المواطن الذي تعده بالمن والسلوى والسكنى في قصور وبحبوحة من العيش، عقب إبرام اتفاق مع صندوق النقد والدائنين الدوليين يفتح لها كنوزا من القروض الخارجية التي ستغرق البلاد في مستنقع قد لا تخرج منه في المستقبل المعلوم.

تكرر السيناريو في دول عربية أخرى حيث سبق قرار الحكومة بها رفع الأجور، زيادات قياسية في أسعار السلع والخدمات وفرض مزيد من الرسوم والضرائب.

ببساطة نحن أمام حكومات فاشلة لا همّ لها إلا زيادة أسعار السلع والخدمات والضرائب، ونهب ما تبقى من جيب المواطن، وعندما تفكر في تحسين الأجور والرواتب، تسبقها بزيادات قياسية للأسعار تلتهم ذلك التحسين الشكلي.

وكأنها تريد للمواطن أن يغرق أكثر فأكثر في مستنقع الغلاء والتضخم حتى لا يحاسبها أحد على عمليات النهب المنظم التي تتم لموارد الدولة وإنفاقها ثروات البلاد على مشروعات لا تمثل أولوية بالنسبة له، بل أولوية فقط للسلطة الحاكمة ومن يدور في فلكها.

Facebook Comments