«الشعوب تصنع الثورات والجيوش تدبر انقلابات"، هذه قاعدة علمية منهجية استقرت عليها المفاهيم وتوافقت عليها المدارس العلمية والتاريخية؛ فالجيوش لا تقوم بثورات بل تدبر انقلابات عسكرية أما الشعوب فهي من تصنع الثورات. لذلك فالثورات دائما ما تنحاز للشعوب وتسعى إلى تلبية مطالبها وتحقيق المثل والقيم العليا التي قامت من أجلها فتكرس الحريات وتقيم العدالة وتكرس المساواة وتسعى إلى تطهير مؤسسات الدولة من الفسدة واللصوص الذين ينهبون ثروات البلاد بلا حسيب أو رقيب. أما الانقلابات فتنحاز عادة إلى مافياوات عميقة داخل مؤسسات الدولة وتسعى لحماية مصالح فئات بعينها وحماية مصالحها سواء كانت هذه الجهات محلية أو خارجية تتعلق بمصالح دول كبرى عالمية تكون متواطئة مع الانقلاب وداعمة له وتسعى لتكريسه وضمان بقائه.

وفي مذكراته يقول اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية وأحد قادة أحداث يوليو في اعتراف هام وخطير: « أريد أن أحسم قضية مهمة جدا وهي “هل ما فعلناه في 23 يوليو ثورة أم انقلاب ؟!»، مضيفا «إن من يؤيد الإدارة العسكرية يقول إنها ثورة، وكأنه يكرمنا ومن يعارض يقول إنه انقلاب وكأنه يحط منا والحقيقة التي أشهد بها للتاريخ هي أن ما قمنا به في 23يوليو 1952 في عرفنا نحن ضباط الجيش كان انقلابا واضحا وكنا نحن الضباط مقتنعين بذلك تماما ونعلم جيدا أنه انقلاب وكنا نتفاوض مع الجميع على أنه انقلاب وكنا نعلن ذلك صراحة لأن هذه كانت الحقيقة».

ويضيف نجيب: «لكننا عندما أردنا أن نكسب الشعب في صفنا اضطررنا إلى تغيير كلمة انقلاب إلى حركة الجيش المباركة وهذا بمثابة لفظ ناعم أفضل من لفظ انقلاب، وبعد أن التف حولنا الشعب قررنا تغيير الاسم نهائيا إلى ثورة 23 يوليو».

وأكمل نجيب شهادته عمن قاموا بأحداث يوليو 52 قائلاً: «كنت أنا أول من أطلق لقب الضباط اﻷحرار على مجموعة الضباط الذين خططوا لهذا العمل، وأنا أعتذر  عن هذه التسمية لأنه لم يكن اسما على مسمى، والحقيقة التي أشهد الله عليها أنهم لم يكونوا أحرارا بل كانوا أشرارا وكان أغلبهم مجموعة من المنحرفين أخلاقيا واجتماعيا وأصحاب المصالح الشخصية، ولأنهم كانوا يحتاجون إلى قائد كبير في الرتبة والخلق يتخذونه ستارا وواجهة لتحقيق أهدافهم فكنت أنا للأسف الشديد هذا الضابط، ونظرا لرتبتي ومكانتي العالية  داخل الجيش فقد كنت  لواءً وأنال حب واحترام الجميع وقد تم اختياري لأكون زعيم هذا التنظيم الذى أسسه عبد الناصر ولم أكن أعلم حينها ما الذى يخطط له هؤلاء الضباط بعد الانقلاب على الملك لذلك شاركتهم، وأنا في ظني أنني بذلك أخدم بلدي ووطني، وأنا آسف أشد الأسف لما حدث».

 

علاقة عبدالناصر بالأمريكان

اتهم الإنجليز الملك فاروق صراحة بالتعاون مع القوات الألمانية المرابطة في صحراء العلمين علي الحدود الليبية في الحرب العالمية الثانية فحاصروا قصره بالدبابات في حادث فبراير /شباط 1942 الشهير ليجبروه على حل الحكومة المنتخبة ديمقراطيا وتعيين حكومة “الوفد” الموالية لهم وذلك من أجل تأمين جبهتهم الداخلية، ما يؤكد أن بريطانيا كانت كارهة للملك وبالطبع كان هو كارها لها لحيازتها على كافة أدوات السلطة في مصر وتحويله إلى حاكم بلا حكم.

 ويمكننا في هذا الصدد مراجعة العديد من الكتب والوثائق ومنها مثلا كتاب ” الملك فاروق وألمانيا النازية – وخمس سنوات من العلاقات السرية” لكاتبه وجيه عتيق.

بل إن مذكرات الملك فاروق نفسه أشارت إلى أن السفير الأمريكي كان يلحُّ عليه قبل الثورة بقليل أن يعترف بدولة إسرائيل كي يضمن مؤازرة الإدارة الأمريكية، ولكنه كان يجيب على الدوام: «إنني لا أريد أن يسجل التاريخ عليّ أنني أول ملك عربي يعترف بالدولة اليهودية».

وهذا ما أثبته فتحي رضوان في كتابه “72 شهراً مع عبد الناصر” وهو «أن الأمريكان هم الذين دبّروا خلع الملك فاروق لأسباب عديدة منها عجزه أو رفضه الاعتراف بإسرائيل» كما ورد في محاضر اجتماعاته مع السفير الأمريكي وأن وزير الخارجية الأمريكية دين أتشيسون رفض مساعدة فاروق أثناء الانقلاب الذي أسقطه، كما كانت وقفة السفير الأمريكي الآخر جون فوستر دالاس ضد الملكية، الضربة الحقيقية ضد فاروق لصالح عبد الناصر .

وهنالك عدة كتب أحدها أصدره أحد مراكز البحث في “أبوظبي” يضم وثائق تتعلق بثورة 1952 تؤكد أن السفارتين البريطانية والأمريكية – وهما ممثلتا دولتي الاتفاق الذي أشرنا إليه سلفا – كانتا غاضبتين جدا من الملك فاروق وتحدثتا بكل صراحة عن ضرورة تغييره.

كما حوى الكتاب الأشهر عالميا “لعبة الأمم” لمؤلفه ضابط المخابرات الأمريكية “مايلز كوبلاند” تفاصيل دقيقة عن عدة لقاءات جرت بينه وبين زميله كيرميت روزفلت وقيادات المخابرات الأمريكية من جانب مع جمال عبد الناصر وقيادات الضباط الأحرار من جانب آخر للإعداد للانقلاب.

فيما حفل كتاب “ثورة يوليو الأمريكية ..علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية” الصادر عام 1988 عن دار الزهراء للإعلام العربي لمؤلفه الدكتور محمد جلال كشك ، بمئات بل ألاف الشهادات والمصادر التي تسير في هذا الاتجاه، والتي تدحض أيضا الآراء المغايرة.

بل راح كتاب مصريون مقربون من السلطة مثل المرحوم “محسن محمد” رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة الجمهورية الأسبق يعترف تلميحا بوجود تلك العلاقة في مقالات نشرتها له “أخبار اليوم”.

 

لماذا تواطأ الإنجليز مع انقلاب عبدالناصر؟

يقول الكاتب سيد أمين «الحقيقة أننا نحتفل كل عام بحركة الجيش في 23 من يوليو 1952 ومع ذلك نتجاهل تساؤلات حول أسباب عدم تدخل الانجليز من أجل إفشالها وحماية عرش “الملك” وهم الذين يسيطرون على مصر عسكريا، أرضا وبحرا وجوا ، شعبا وجيشا ، وقادرون على قمع أي تمرد مهما كان حجمه ضدهم ، خاصة أن هذا التمرد يقوده بضع عشرات من الرتب العسكرية الصغيرة قد تسعهم “عربة ترحيلات واحدة”، والسيطرة عليهم بأسلحتهم البدائية عمل غاية في السهولة على جنود إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس؟. وكيف دخل هؤلاء المتمردون الجيش المصري وترقوا فيه أساسا بينما الانجليز يبسطون سيطرتهم تماما عليه بوصفه المؤسسة الأهم التي يحرص عادة أي كيان استعماري على السيطرة عليه؟».

ويضيف أن حاصل إجابات هذه التساؤلات تفضي إلى نتيجة واحدة هي أن هؤلاء الضباط بكل تنوعاتهم الفكرية كانوا مجرد بيادق اختيروا مبكرا وبعناية فائقة للقيام بلعبة مرسومة في إطار هوجة الانقلابات العسكرية العربية في خمسينيات القرن الفائت والتي تم تجميلها فلقبت بـ”الثورات”. وهى “الثورات” التي على ما يبدو قد صممتها فلسفة أمريكية تتناسب مع هذا الكيان العالمي الجديد الآخذ في التغول خاصة بعد ما قيل عن تنازل بريطانيا لأمريكا عن مستعمراتها القديمة باتفاق سري جري بينهما في يناير/كانون الثاني 1951، مستخدمة الطريقة الشهيرة التي أوصى بها المفكر الإيطالي “نيقولا مكيافيللي” أميره في السيطرة على المستعمرات الحديثة، ومنها أن ينصب عملاء له من بين شعبها حكاما عليها، خاصة من بين الأقليات أو الطوائف المكروهة، فيقتلون شعبهم ويسلبون ثرواته، ويقدمونها له على طبق من فضة لأنه هو من يحميهم من عدوهم "الشعب".

Facebook Comments