لم يكن الرئيس التونسي قيس سعيد ينتمي إلى معسكر الثورة في أي يوم، بل كان أكاديميا مغمورا  لم يسمع له حس في معارضة نظام الدكتاتور زين العابدين بن علي، ومثَّلت زيارته للقاهرة في إبريل 2021م ولقائه برئيس الانقلاب الديكتاتور عبدالفتاح السيسي، انعطافة بالغة الخطورة، برهنت على أنه مجرد بيدق من بيدق تحالف الثورة المضادة لإجهاض المسار الديمقراطي التونسي والقضاء على مكاسب ثورتها باسم الثورة وتحت لافتة من الشعبوية الفوضوية.

هذه الزيارة وقتها اعتبرت دليلا على اقتراب الانقلاب في تونس وجرى التحذير وقتها من خطورة قيس سعيد على مستقبل تونس وثورتها وتجربتها الديمقراطية، وحتى مواقف الرئيس منذ انتخابه وحتى طريقة إدارته للأمور وتقعره في الحديث كان يحتاج إلى البحث عن نشأة هذا الرجل والتفتيش في دفاتره القديمة فقد نكتشف مفاجآت مدوية.

وتكفي الإشارة هنا إلى ما كتبه أستاذ القانون الدستوري عياض بن عاشور الزميل السابق للرئيس قيس سعيد، والذي خرج عن صمته ونشر مقالا في الثامن من سبتمبر 2020م، لم يكن عاديا في أسلوبه ودلالاته، وهو الذي يعتبره الكثيرون "أحد مراجع القانون الدستوري في تونس". حيث أقرّ بن عاشور بوجود أزمة دستورية حين أكد على أنّ أعضاء المجلس الوطني التأسيسي "أقاموا نظاما هجينا ومعقّدا شبيها بالنظام المجلسي، وهو أخطر أنواع الأنظمة". بدا في هذا السياق كأنه يسير على الخط نفسه الذي تحدّث عنه قيس سعيّد، لكنه سرعان مع انقلب عليه حين اعتبر أنّ "من المفارقات العجيبة أن نرى الذين ابتعدوا دائماً عن مقاومة الديكتاتورية والذين تهرّبوا من كلّ مطالبة احتجاجية، يصبحون اليوم بكلّ غرور وافتتان، المتحدثين باسم الثورة وعرّابيها"، في إشارة ضمنية إلى أنّ سعيّد لم يكن من بين الشخصيات التي قاومت النظام السابق. ورأى أنّ ما يجري حاليا بمثابة "التأثير المخادع للشعبوية: بناء الوهم بغية كسب تعاطف جمهور الناخبين المنهك والمحبط من سنوات ما بعد الثورة"، وقال: "آمل أن ينتهي المطاف بهذا الفكر في تونس إلى الاندثار بفعل تناقضاته". ولم يستبعد بن عاشور أن يقدم مؤيّدو نظرية "البناء الجديد" على "النزول إلى الشارع، إذا فشل هذا المشروع، ولمَ لا يُحرق قصر البرلمان (شاهد على نهاية الديمقراطية مع الحقبة النازية) حتّى يكون لإرادة الشعب ما تنتقم منه"، على حد تعبير بن عاشور. في اتهام واضح لقيس سعيد بأنه يقود انقلابا على الدستور والثورة وتجربة تونس الديمقراطية.

القراءة المتأنية لمواقف قيس سعيد منذ انتخابه في 2019م قد تكون صادمة؛ وتبرهن على أن الرجل الغامض جيء به ليقود انقلابا ناعما على الثورة التونسية وتجربتها الديمقراطية، أو على أقل تقدير تجميد المشهد السياسي وتعطيل أي تقدم على المسارين السياسي والاقتصادي،  حتى يكفر الشعب بالثورة والديمقراطية على حد سواء. ويمكن البرهنة على ذلك  بمواقف الرئيس وأبرزها افتعال المعارك السياسية مع البرلمان والحكومة والأحزاب بشكل عام وعلى رأسها الأحزاب الإسلامية التي يبدو أنه جاء خصيصا من أجل التربص بها والعمل على إقصائها. فهو يسعى إلى تهميش دور الأحزاب والتقليل من شأنها، فرغم أن الدستور ينص على أن النظام في تونس برلماني رئاسي، وأن الحكومة تتشكل من حزب الأغلبية أو الأكثرية، فإن قيس سعيد تجاهل كل ذلك في اختياراته؛ كما أنه غمز أكثر من مرة في ضعف شرعية البرلمان، وإلى شكوى من دور الأحزاب وخلافاتها، وهو ما يشير إلى رغبته بتغيير النظام السياسي برمته، الأمر الذي تحقق بالفعل بانقلابه مساء  الأحد 25 يوليو 2021م بتجميد  عمل البرلمان ووضع رئيس الحكومة هشام المشيشي رهن الإقامة الجبرية وفق فهمه الشاذ والغريب لتفسير المادة 80 من الدستور، لدرجة أنهم فوض لنفسه صلاحيات النيابة العامة وبذلك يكون قيس سعيد قد هيمن على كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

هذه القرارات تمثل انقلابا ناعما بدعم من الجيش والشرطة حيث حضر إلى جواره أثناء إعلان الانقلاب قادة المؤسستين في ظل انتشار عسكري وأمني واسع ومنع رئيس البرلمان راشد الغنوشي وأعضائه من دخوله رغم أن المادة 80 من الدستور لا تنص مطلقا على تجميد عمل البرلمان بل تؤكد على دوام انعقاده.

يفهم من ذلك أن الرئيس يعتبر الديمقراطية التمثيلية تزييفا ومنظومة تجاوزتها حركة التاريخ. بناء عليه قرر أن يهمّش الأحزاب، مجهّزاً الأرضية لدفنها تدريجياً، وهو ما  تحقق بانقلاب الناعم على الدستور والديمقراطية في تونس.

من جهة ثانية، فقد سعى قيس سعيد منذ انتخابه إلى استدراج المؤسسة العسكرية في أتون الصراع السياسي،  كما تعددت زياراته لمقرات المؤسسة العسكرية والجهاز الأمني، كان آخر هذه المواقف في 22 يوليو 2020م عندما توعد الرئيس التونسي من اتهمم بالتآمر مع الخارج على الشرعية في بلاده، وهي التصريحات التي جاءت غداة زيارة سعيد إلى مقر قيادة فيلق القوات الخاصة بالجيش في ولاية بنزرت ومقر وزارة الداخلية بالعاصمة تونس. كما لمّح أيضا إلى إمكانية حل البرلمان، في حال استمرار تعطل أعماله، مشيرا إلى أن لديه وسائل قانونية كثيرة متاحة في الدستور “هي كالصواريخ على منصات إطلاقها”. تصريحات وزيارات الرئيس للثكنات العسكرية والمقار الأمنية أعادت الحديث عن الجيش وموقعه في عملية الانتقال السياسي وحماية التجربة التونسية من الفشل الذي تعرضت لها تجارب ديمقراطية أخرى كما جرى في مصر.  وبالانقلاب وقع ما كان يخشاه التوانسة وجرى إقحام الجيش والشرطة في أتون السياسة لدعم انقلاب الرئيس على مؤسسات الدولة الأخرى المنتخبة، وبذلك يتحول الجيش من حام للوطن والدستور إلى خادم للحاكم بما ينفي عنه صفة الوطنية وهي الانتماء للوطن بناسه ودستوره وقوانينه وليس برغبات الحاكم وأطماعه التي تخالف الدستور والقانون.

من جهة ثالثة، اكتسب قيس سعيد شعبيته من تصريحاته التي سبقت الانتخابات التي جاءت به رئيسا، وخصوصا قوله الشهير "التطبيع خيانة عظمى"، لكنه بزيارته للقاهرة راح مهرولا إلى أحد أكبر عرَّابي التطبيع في المنطقة وكنز إسرائيل الإستراتيجي.  وتأكيدا على أن موقف قيس سعيد من إسرائيل لا يعدو التصريحات الجوفاء فإنه خلال وجودة بالقاهرة ذهب إلى ضريح الرئيس السابق محمد أنور السادات الذي يعد أول من اعترف بإسرائيل وأقام معها اتفاق تطبيع؛ وأول من حوَّل قضية فلسطين من قضية عادلة لشعب محتل إلى صفقة يمكن المساومة بشأنها في دنيا المصالح.  معنى ذلك أن الرئيس التونسي بعث برسالة واضحة لا تقبل اللبس أن تصريحاته السابقة بأن التطبيع خيانة عظمى تقبل المراجعة والتراجع، وأن هناك خفايا بين السطور لا يمكن البوح بها إلا في دهاليز الغرف المغلقة. تتعزز هذه النظرة للرئيس التونسي بشأن موقفه من التطبيع إذا راجعنا سجله ومواقفه بشأن هرولة الإمارات والبحرين نحو تل أبيب في موجة تطبيع أواخر سنة 2020م؛ حيث  أبدى تفهمه لهذه الخطوة مطلقا تصريحه الشهير "لا نتدخل في اختيارات بعض الدول ولا نتعرض لها، ونحن نحترم إرادة الدول، فهي حرة في اختياراتها وأمام شعوبها". معنى ذلك أن قيس سعيد بدأ رحلته مرشحا تحت شعار "التطبيع خيانة عظمى" ثم انتهى به المطاف صديقا شخصيا لجنرال جاء إلى الحكم بانقلاب رعته واحتضنته إسرائيل، واعتبرته أعظم انتصاراتها منذ العام 1967م.

لا يمكن أن يكون سعيد بمفرده وراء هذه الخطة(خطة الخداع الإستراتيجي) التي جاءت به إلى سدة الرئاسة في تونس تحت لافتة الثورة التي لم يكن يوما من أنصارها ولم يكن يوما من معارضي الدكتاتورية، وبأصوات قوى الثورة صعد إلى الرئاسة وها هو اليوم ينقلب على الثورة والديمقراطية ويكرس نفسه دكتاتورا يجمع كل السلطات في يده، واتضح اليوم حجم المخطط الإجرامي الذي أشرفت عليه مخابرات إقليمية متعددة، وضعه الموساد والفرنسيون وأشرف على تنفيذه الإماراتيون والمصريون!

الدور القادم على ليبيا التي يجري الترتيب لها حتى تنزلق إلى حجر بيدق آخر من بيادق الثورة المضادة، ومكائدهم ضد تركيا لن تتوقف. لكنه يتعين الحذر والمقاومة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

Facebook Comments