بشكل مفاجئ، قرر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إسناد ترميم وتجديد مقامات وأضرحة "آل البيت"، خاصة ضريح السيدة نفيسة، والسيدة زينب، والحسين، إلى الجيش.

وقالت رئاسة الانقلاب، في بيان لها، إن "السيسي اجتمع مع رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، اللواء إيهاب الفار، وإن التوجيه شمل ترميم الصالات الداخلية بالمساجد وما بها من زخارف معمارية راقية وغنية، تماشيا مع الطابع التاريخي والروحاني للأضرحة والمقامات، وذلك جنبا إلى جنب مع تطوير كافة الطرق والميادين والمرافق المحيطة والمؤدية لتلك المواقع، وتستهدف الخطوة من قبل السيسي عدة عصافير في توقبت بالغ الأهمية". 

 

 شعبية  وسط الصوفية

يعاني السيسي وفق التقديرات الإستراتيجية من تدني شعبيته بسبب الطريقة الفاشلة التي يدير بها مع نظامه العسكري مغلق التفكير، حيث تسبب في بيع تيران وصنافير والتنازل عن غاز المتوسط وإغراق المصريين في دوامة الاقتراض وارتفاع الأسعار والفقر، بالإضافة إلى تضييع حصة مصر في مياه النيل، وتمادي إثيوبيا في الاستهانة بمصر، وحقوقها ومكانتها، بالاستمرار في الملء الثاني لسد النهضة بلا أي اتفاق ملزم أو مراعاة للمطالب المصرية، وسط عدم إقدام وغياب للإرادة السياسية لنظام الانقلاب والجيش المصري الأقوى  في المنطقة بالتهديد بعمل عسكري ضد إثيوبيا حفاظا على وجود مصر، وهو ما أهدر مكانة الجيش المصري  في نفوس المصريين، وأثار الكثير من التساؤلات حول صفقات السلاح المليارية المخزنة في المخازن ولا قيمة لها ولا دور لها في حماية الأمن القومي المصري.

ومن ثم فإن خطوة إسناد ترميم مساجد آل البيت للجيش محاولة لتريم شعبية السيسي ونظامه، خاصة في أوساط الصوفيين المرتبطين روحيا بمساجد آل البيت ويقدسون ويجلون زوارها وعمارها.

ويقدر عدد الصوفيين في مصر بنحو 10 مليون تابع. وشيخ مشايخ الطرق الصوفية بمصر حاليا هو عبد الهادي القصبي، وهو من ترأس حزب مستقبل مصر الداعم للسيسي.

واشتهرت بمصر عدة طرق صوفية كانت في معظمها وافدة وليست من تأسيس المصريين، كانت تمثل مع بداية ثورة 23 يوليو 1952م نحو 3 ملايين منتسب ينتظمون في 60 طريقة، أيدت جمال عبد الناصر بوضوح في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية والخارجية من البداية، فعلى سبيل المثال وقفت مشيخة الطرق الصوفية مع عبد الناصر في صراعه ضد الإخوان المسلمين. في ديسمبر 1967م سار أكبر موكب صوفي رسمي في مصر تأييدا لعبد الناصر في أعقاب هزيمة 5 يونيو 1967. وما زالت الطرق الصوفية تسير على هذا النهج حتى الآن من تأييد الحاكم وعدم اتخاذ أي مواقف معارضة له مهما بلغت جرائمه.

 

توغل اقتصاد العسكر

كما يستهدف قرار السيسي زيادة تمكين  الجيش في داخل مفاصل حياة المصريين، بما يفوق أكثر من 60% من اقتصاد مصر وفق تقديرات سياسية وإستراتيجية عدة منها البنك الدولي ومركز كارينجي لدراسات الشرق الأوسط،  ويتوسع استيلاء الجيش على مشاريع إنشاء الطرق والكباري والمزارع السمكية واستصلاح الأراضي وبيع الخضروات والبسكوت والمخبوزات والحلويات، وتنتشر محطات نبزين "وطنية" في أنحاء الجمهورية، كما يستولي السيسي للعسكر على أجود المواقع والشواطئ والمصايف والفنادق ومراكز التسوق في أنحاء الجمهورية، بالإضافة إلى الاستيلاء هو عدم دفع شركات الجيش ومشروعاته أية ضرائب أو رسوم أو جمارك ما يحرم الموازنة العامة من أكثر من 60% من  الدخل المقرر لها، وهو ما يتسبب في عجز الموازنة الذي يُحمّله السيسي بدوره على المواطنين عبر فرض الرسوم والضرائب والاستقطاعات من رواتبهم.

 

صناديق  النذور وتبرعات البهرة

كما يمكن استنتاج ذلك الهدف عبر متابعة القرارات والقوانين التي يصدرها برلمان العسكر في الفترة الماضية، من إخضاع صناديق النذور والتبرعات في المساجد الكبرى وغيرها لسلطة وزير الأوقاف ومن ثم إحالتها إلى صندوق مركزي يخضع للسيسي تحت مسمى صندوق العمل الخيري، والذي بموجبه تُحال أموال الأوقاف والتبرعات وايرادات صناديق النذور  بالمساجد إليه بالمخالفة للقوانين والدساتير المعمول بها، بشأن استقلال أموال الوقف وخضوعها لشروط الواقف.

كما يمكّن قرار إسناد أعمال التطوير والترميم، الجيش من الاستيلاء على أموال تلك المساجد الكبرى وصناديق الأضرحة بها التي تعج بالأموال، والتبرعات من الداخل والخارج.

وفي 20 يونيو الماضي، استقبل  السيسي السلطان مفضل سيف الدين، سلطان طائفة البهرة بالهند، يرافقه أنجاله الأمير جعفر الصادق، والأمير طه مفضل، والأمير حسين مفضل، وذلك بحضور عباس كامل رئيس المخابرات العامة.

وأعلن السيسي عن "خالص التقدير لدور سلطان البهرة في ترميم وتجديد مقامات آل البيت وعدد من المساجد المصرية التاريخية، وآخرها ترميم أضرحة السيدة نفيسة، والسيدة زينب، والحسين، لتتكامل مع جهود الدولة الحالية في تطوير المناطق المحيطة بتلك الأضرحة والمواقع الأثرية بالقاهرة الفاطمية والتاريخية، وذلك فضلا عن الأنشطة الخيرية الأخرى المتنوعة لطائفة البهرة في مصر، بالإضافة إلى دعم صندوق تحيا مصر.

وبذلك فإن قرار إسناد ترميم المساجد المرممة من قبل البهرة للجيش مرة أخرى لا تتعدى فترة الشهر هو مجرد استرزاق وابتزاز آخر من قبل السيسي، كعادة النظم المصرية الفاسدة، لترميم المرمم وتطوير المطور، من أجل نهب الميزانيات وسرقة الأموال.

بجانب ذلك يمهد السيسي لاستغلال الحشود الصوفية في خلال الاستحقاقات القادمة سواء أكانت في مسرحية الرئاسة المقررة في 2022، إلا أن السيسي  تلاعب بها وأعطى نفسه صلاحيات مخالفة للدستور بامتداد وجوده إلى 2032، إلا أن المسرحيات والمشاهد التي يراد تصديرها تحتاج لحشود شعبية لا يمكن صناعتها من قبل الشعب المحاط بالفقر والغلاء والبطالة، فيكون الصوفيون هم زاد السيسي الشعبي في الفترة المقبلة.

Facebook Comments