أثارت الخطة التركية لإعادة فتح بلدة فاروشا الواقعة على الجانب الشرقي من قبرص والتي تركها القبارصة اليونانيون الأصليون قبل نصف قرن تقريبا انتقادات سلطات الانقلاب في مصر، بحسب ما أفاد موقع "المونيتور".

وقالت خارجية الانقلاب في بيان صدر في 21 يوليو إن "الخطوة التركية تشكل انتهاكا لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة". ويشير الموقف المصري إلى التوتر المستمر بين القاهرة وأنقرة، على الرغم من الجهود الدبلوماسية لإصلاح العلاقات الثنائية.

وقالت الوزارة إن "مصر تكرر دعوتها لتركيا بالالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي في هذا الصدد، والامتناع عن أي إجراءات أحادية الجانب من شأنها تعقيد الأمور ورفع التوتر، وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي لتركيا أن تلتزم التزاما كاملا بالتسوية الشاملة للنزاع القبرصي، وفقا لقرارات الشرعية الدولية".

ومنذ الفتح التركي في عام 1974 ردا على انقلاب عسكري يوناني تم تقسيم قبرص إلى جزء شمالي يديره القبارصة الأتراك وجزء جنوبي يديره القبارصة اليونانيون.

ومنذ ذلك الحين فر ما يقدر ب 17 ألف قبرصي يوناني من بلدة فاروشا الساحلية وتحولت مدينة الأشباح المحاطة بالأسلاك الشائكة إلى منطقة عسكرية تحت السيطرة المباشرة للجيش التركي.

وتركيا هي الدولة الوحيدة التي تعترف بشمال قبرص كدولة ذات سيادة وليس لها علاقات دبلوماسية مع حكومة قبرص المعترف بها دوليا في نيقوسيا، والتي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004.

وكان زعيم القبارصة الأتراك أرسين تتار المدعوم من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن في 20 يوليو إعادة فتح جزئية لماراس الاسم التركي لفاروشا مما أثار إدانة دولية على نطاق واسع.

وقال تتار إن "قسما مساحته 3،5 كلم مربع من فاروشا سيعود من السيطرة العسكرية إلى السيطرة المدنية جاء ذلك قبل تنظيم استعراض بمناسبة الذكرى ال47 لتحرير بلاده، حضره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهذه الخطوة خط أحمر بالنسبة للقبارصة اليونانيين".

ووفقا لقرار مجلس الأمن 550، فإن أي محاولات لتسوية أي جزء من فاروشا من قبل أشخاص غير سكانها القبارصة اليونانيين غير مقبولة ويدعو القرار إلى نقل تلك البلدة إلى إدارة الأمم المتحدة.

وقد توقفت المفاوضات حول إعادة التوحيد بين الأجزاء الشمالية والجنوبية من الجزيرة منذ عام 2017، ويرفض كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حل الدولتين لتسوية الصراع، في حين يضغط أردوغان من أجل حل الدولتين لقبرص.

ويعتقد المراقبون أن "خطط أنقرة لفاروشا ستؤدي إلى تفاقم النزاع القائم حول الحقوق الإقليمية في شرق البحر الأبيض المتوسط الغني بالطاقة بين تركيا من ناحية، وقبرص واليونان من ناحية أخرى".

وتتمتع مصر، المنافس الإقليمي لتركيا، بعلاقات وثيقة مع قبرص واليونان منذ استيلاء عبد الفتاح السيسي السلطة في عام 2014، وعقدت الدول الثلاث عدة قمم ثلاثية حول الطاقة واستكشاف الغاز ومكافحة الإرهاب وترسيم الحدود، وغالبا ما انتقدت سياسات أنقرة في شرق البحر الأبيض المتوسط.

ووقعت مصر مع قبرص اتفاقية لترسيم الحدود البحرية في ديسمبر 2013، واتفاقا مماثلا مع اليونان في أغسطس 2020، وترى أنقرة أن هذه الأخيرة تقع في منطقة الجرف القاري التركي.

وقال محمد سليمان، أحد كبار المعاونين في شركة ماكلارتي أسوشيتس، وهي شركة استشارية إستراتيجية مقرها واشنطن، ل "المونيتور" إن "القاهرة ملتزمة بإقامة اتحاد ثنائي المناطق وثنائي الطائفة في قبرص، وترفض أي دعوات أو محاولات لخلق واقع الدولتين في الجزيرة".

 

خطورة تركية جريئة

وقال سليمان إن "مصر تعتبر إعادة فتح فاروشا جزئيا خطوة تركية جديدة لاختبار حدود القوى الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط". 

مصر وقبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية هي جزء من منتدى غاز شرق البحر الأبيض المتوسط الذي يتخذ من القاهرة مقرا له، والذي أنشئ في يناير 2019؛ لإنشاء سوق إقليمي للغاز، وقد زادت هذه الخطوة من الشعور التركي بالعزلة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

وقد تم إقامة المنتدى ردا على مطالبة تركيا بحقوقها في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، تلتها عمليات حفر متزايدة في المياه القبرصية المعترف بها دوليا، وتزعم أنقرة أن عمليات الحفر تتم في جرفها القاري، ولا تنتهك القانون الدولي.

وانتقد مظفر سنيل، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول شهير، بيان خارجية الانقلاب بشأن الوضع في فاروشا.

وقال سينل ل "المونيتور" إن "رد الفعل الرسمي المصري ساهم في زعزعة الاستقرار وليس الاستقرار".

وقال سينل الخبير في القضية القبرصية والسياسة الخارجية التركية "اعتقد أن الأمر يتعلق بشكل أكبر باتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة، بالنسبة للقاهرة، الأولوية هي "الغاز الطبيعي"، وليس الاستقرار في شرق البحر الأبيض المتوسط، ومن خلال القيام بذلك، تهدف القاهرة إلى رفع مستوى تسليمها لأنقرة فيما يتعلق باتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة".

وأشار إلى أن "رد الفعل المصري على قضية فاروشا سيخلق حالة من عدم الثقة العميقة وسيؤثر سلبا على محاولات التقارب مع تركيا".

وأضاف سينل "أن القاهرة وقفت إلى جانب القبارصة اليونانيين واليونانيين دون أخذ حقوق القبارصة الأتراك وقلقهم في الاعتبار " .

 

تجميد بعد البداية

وجمدت مصر وتركيا فجأة المحادثات، بعد اتخاذ خطوات دبلوماسية خلال الأشهر الماضية لإصلاح العلاقات بين القوى الإقليمية المنفصلة.

وقد عقدت مشاورات استكشافية في 5-6 مايو بين مسؤولين مصريين وأتراك في القاهرة، وكانت هذه الاجتماعات هي الأولى منذ عام 2013، وركزت المحادثات على الخطوات التي يتعين اتخاذها من أجل تطبيع العلاقات بين الجانبين.

وقالت مصر وتركيا في بيان مشترك إنهما "أجرتا محادثات صريحة وعميقة، وأن المحادثات التي استمرت يومين في القاهرة تناولت القضايا الثنائية والإقليمية، لا سيما الوضع في ليبيا وسوريا والعراق، وضرورة تحقيق السلام والأمن في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وعلاقات تركيا مع الإخوان المسلمين.

واتفق الجانبان على تقييم نتائج الاجتماعات والاستعداد للخطوة التالية في هذا الصدد ومع ذلك، لم يُعلن بعد عن الجولة المقبلة من الاجتماعات.

وقد ساءت العلاقات الثنائية بين البلدين منذ الانقلاب العسكري على الرئيس الشهيد محمد مرسي في عام 2013، سحبت مصر وتركيا سفيريهما وجمدت علاقاتهما في نوفمبر 2013.

ومنذ ذلك الحين، شاب العلاقات بين القاهرة وأنقرة نزاع تحول إلى صراع إقليمي أوسع حول الإسلام السياسي، وصنفت سلطات الانقلاب جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، في حين وفرت تركيا ملاذا آمنا لمئات من أعضاء الجماعة وقادتها، بدعم من أردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

بالإضافة إلى ذلك، تستضيف تركيا قنوات إعلامية تابعة ل «الإخوان» تركز محتواها على انتقاد سياسات السيسي.

وفي أوائل مارس أعلن مسئولو البلدين استئناف الاتصالات الدبلوماسية من أجل تطبيع العلاقات، وقالت القاهرة إن "الإجراءات التركية يجب أن تتماشى مع المبادئ المصرية كشرط لتطبيع العلاقات".

 

الكلمات وحدها لا تكفي 

وقال وزير خارجية الانقلاب سامح شكري في ذلك الوقت إن "الكلمات وحدها ليست كافية، لتطبيع العلاقات بشكل كامل".

وتحث القاهرة على انسحاب مئات القوات التركية من ليبيا، وآلاف المرتزقة السوريين الذين نشرتهم تركيا في ليبيا، كما تريد مصر تسليم إسلاميين يقيمون في تركيا مطلوبين من قبل السلطات المصرية بتهم تتعلق بالإرهاب ولم يتم بعد حل هذين الملفين.

وفي منتصف مارس، طلبت أنقرة من القنوات التلفزيونية المصرية التي تتخذ من تركيا مقرا لها أن "تقلل من حدة الانتقادات الموجهة لحكومة السيسي، ونتيجة لذلك، علقت هذه القنوات برامجها التلفزيونية الرئيسية".

وفي 25 يونيو، قال شكري" نتوقع أن تقوم العلاقات بين البلدين على المبادئ التي تحكم العلاقات الدولية المستقرة، بما في ذلك عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلد الآخر، وحسن الجوار، ومنع أي أنشطة من شأنها زعزعة استقرار دولة أخرى من القيام بها على أراضيها".

وقال سليمان "إن القاهرة استثمرت لسنوات بشكل كبير في بناء شبكة من التحالفات الإقليمية الاقتصادية والأمنية وخاصة علاقاتها القوية مع اليونان وقبرص".

واختتم سليمان حديثه قائلا "في حين أن الانقلاب قد يرحب بالتقارب مع تركيا الذي يحترم المصالح الوطنية المصرية في ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط، إلا أنه لن يكون على حساب العلاقات الإستراتيجية بين القاهرة ونيقوسيا وأثينا".

 

https://www.al-monitor.com/originals/2021/07/turkish-plan-reopen-cyprus-ghost-town-strains-rapprochement-egypt

Facebook Comments