من مدخل إعلانات العاصمة الإدارية، كشف الباحث وسام فؤاد "تعمد حكومات الانقلاب لاستخدام كل مفردات إفشال الدولة بنشر القبح وتضليل الأرقام وإخفاء حجم الفقر فضلا عن  الانسحاب من القيام بأدوار الدولة الرئيسية".
وفي دراسة نشرها "المعهد المصري للدراسات" بعنوان "إعلانات العاصمة الإدارية.. ومستقبل الفقر في مصر" خلص إلى أن "الحملة الإعلانية الخاصة بالعاصمة الإدارية حظيت بتركيز دعائي من الدولة سلبا وإيجابا؛ لتوفير حوافز للاستجابة لهذه الحملات الإعلانية".
وقارن بين دافعيتها هنا وما كانت عليه من تحفظ على الاهتمام بملفات النظافة وتهيئة الطرق باستثناءات قليلة تتعلق بمحاور العاصمة الإدارية".
وأعتبر أن "نشرها القبح بتدمير مشاهد الجمال في مناطق القاهرة والجيزة والمنصورة وغيرهم، عبر القضاء على مصادر الجذب في بعض الضواحي المصرية الفريدة، كانت الحملات الإعلانية تعرض صورا مختلفة للواقع المُعاش في المدينة الجديدة وأخواتها بعرض في صورة مقارنة بين الجمال والقبح، بين النظافة والقمامة، بين التخطيط والعشوائية، بين الأمن وغيابه، الفارق بين ثقافة ما أصبحت عليه مصر خارج الأسوار وبين ما ستكون عليه داخل الأسوار.. إلخ".

الانسحاب الكامل
وقال الباحث إن "الرسالة النهائية للحملات الإعلانية حملت صورة الانسحاب الكامل للدولة من أدوارها الأساسية، ومن يريد هذه الأدوار فعليه أن يدفع هذه المبالغ المذكورة علنا ومن دون مواربة في الإعلانات".

وأضاف أن "الرسالة الأخطر، والتي نستشفها من بين سطور حصاد مثيلات هذه الحملات الإعلانية، أن الوضع خارج الأسوار، أو الجمهورية القديمة، صار خرابا، وصار مستباحا، سواء على صعيد القيم البشرية أو المادية".

اختلال فادح
واستعرض الباحث رسالة السيسي التي حاول تمريرها من خلال قوله "كدا خربانة وكدا خربانة" تصب في نفس الاتجاه، مؤكدا أن واقع الاختلال الفادح في توزيع الدخول والثروة، أنتج إشكالين نفسيين خطيرين على المستوى القومي، أولهما “أزمة الثقة في المجال العام”، وثانيهما “محاولات اللحاق بفرص دعم المكانة”. فالأولى بسبيلها لإنتاج حالة تشظي اجتماعي واضحة، ملامحها قديمة قدم مشروع النيوليبرالية المباركية في مصر، بدأت بانهيارات أنساق القيم المحافظة في مصر، والتي كانت تعمل على الحفاظ على المجتمع مع تراجع الدولة، أو مع عدم قدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة لأداء أدوارها، وهو ما عزز بدوره من تراجع قدرة رأس المال المصري على التحول لرصيد ورأس مال اجتماعي، وبات يتجه نحو الانعزال، فيما يتصارع المصريون الآخرون خارج الأسوار، على الموارد المختلفة".

نشر القيم الحرام

واعتبرت الدراسة أن "الانقلاب يسعى إلى خلل مجتمعي أخلاقي قيمي فقال في خلاصة بحثه إنه "في إطار تغييب القانون، تحولت عملية “تعويض فاقد المكانة” بسبب اختلالات الأجور والثروات، تحولت هذه العملية إلى صراع على “القيم الحرام”؛ ليصير المال العام والعِرض مستباحا على نحو ما عرضته قضية مثل “قضية فتاة فيرمونت”، أو قضية “طفل المرور”، أو حتى قضية “تصالح المخالفات”؛ حيث على المواطن أن يدفع بأثر رجعي فاتورة انهيار دولة مبارك، وأضحت الموارد الاقتصادية قيد المساومة لمن يدفع لـ”صندوق تحيا مصر”، بل وحتى إنفاذ الأحكام القضائية في ملفات الجنايات والقتل صار موضوعا للمساومة حول صفقات الصندوق".
وأوضح أن "نموذج قضية رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، وتحولت بعض المراكز الوظيفية في الدولة إلى موارد طائفية بدلا من أن تكون مهنية، فيما تتأهل الدولة، الدولة بالمعنى الكلي غير السلطوي، خارج الأسوار لحكم الضباط القادرين على البطش بكل من تسوّل له نفسه عبور الأسوار للداخل أو للخارج".

إعلانات البذخ
ودار مسار الدراسة حول محور الإعلانات البذخية بشان العاصمة الإدارية وأعتبرها من أهم ملامح الأزمة المرتبطة بحالة سيولة الإعلانات المستفزة أن نتعرف على مساحة ما يمكن تسميته بالاختلال الفادح في توزيع الدخل وفي توزيع الثروة كذلك. هل نحن فعلا أمام اختلال فادح؟ أم أن الصورة لا تشي بهذا الاختلال الفادح؟ التساؤل الثاني حيال الأزمة يرتبط بالملامح التي تسبب إشكالا حقيقيا لدى عامة المصريين. فما هي مصادر تبلور الإشكال؟ ومن جهة ثالثة، بدا أن هناك اهتماما من المؤسسة الدينية الإسلامية المصرية بكبح هذا التوجه. فما ملامح توجه المؤسسة الدينية في هذا الإطار؟ وما كوابحه؟ هذه الأسئلة موضوع المحور الأول".
 

مؤشر الفقر
ومن مؤشرات عديدة طرحتها الدراسة تحدث وسام فؤاد عن "الفقر في بر مصر" فقال إن "أبرز المؤشرات التي ساقتها بيوت التفكير الدولية على حالة عدم المساواة، تلك البيانات التي نشرتها قاعدة بيانات اللامساواة الدولية، ففي 2019، نسبة 1%  من أعلى المصريين دخلا يحصلون على 19% من إجمالي الدخل، فيما يحصل الـ 50% الأقل دخلا على 17.2% من إجمالي الدخل القومي في مصر، وتحصل نسبة الـ 10% الأعلى دخلا في مصر على نسبة تبلغ 48.7% من الدخل القومي. الأرقام أمامنا تكشف أن مليون مصري فقط يحصلون على نسبة من الدخل القومي تفوق مجموع ما يحصل عليه 50 مليون مصري، وأن الـ 10% الأعلى دخلا يحصلون على نحو 50% من إجمالي الدخل القومي، أي أن 90% من المصريين يحصلون على نصف الدخل القومي للبلاد؛ فيما يذهب النصف الآخر لعشرة ملايين مصري".
 

تردي الأوضاع
وربط الباحث في خاتمة بحثه بين مسار خليط بين الاجتماعي والاقتصادي وتعبيرات بحثه، ليعبر عن خشيته من المستقبل والذي عادة ما يكون في التعليم".
فقال  "قد تبدو تعبيرات من قبيل “فقدان الثقة في المجال العام” و”تعويض فاقد المكانة” أقرب إلى “موضوع تعبير” في امتحان للغة العربية، والتي باتت ضمن حالة تعليمية فقدت كل دلالات العملية التعليمية، حيث لا تعليم بسبب «جائحة كوفيد-19»، ولا امتحانات، ولا نتائج، ولا تنسيق، و”يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟”.
وخلص إلى أن "هاتين العبارتين يقفان وراء كل صخرة تتهاوى من علٍ، سواء على الصعيد الأخلاقي، أو على صعيد التماسك الأسري، أو التضامن الاجتماعي بمعناه العام، أو على مستوى سيادة القانون، أو على أي من المستويات الرمزية في حيواتنا".

 

https://eipss-eg.org/%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b5%d8%b1/

 

Facebook Comments