تبدو خيارات حركة النهضة التونسية أمام تحالف الثورات المضادة الذي تمكن من إعلان الانقلاب على المسار الديمقراطي في تونس ضئيلة، لكن الحركة أحسنت صنعا إذ سحبت أفرادها من الشارع في الوقت الراهن؛ ذلك أن المخططين للانقلاب في  دهاليز غرف المخابرات في باريس وتل أبيب وأبو ظبي والرياض والقاهرة وضعوا سيناريو الفوضى والتصادم، ولا أستبعد القيام بتفجير أو اغتيال شخصية بارزة مؤيدة للانقلاب كعبير موسى مثلا  من أجل إرباك المشهد وتوجيه الاتهامات الجزافية لحركة النهضة وتحويل الانقلاب الناعم إلى انقلاب خشن.

معنى ذلك أن المخططين للانقلاب الذي أعلن عنه قيس سعيد مساء الأحد 12 يوليو 2021م قد جهزوا مسرح الأحداث لاستنساخ بعض تفاصيل الانقلاب في مصر بداية من إرباك مؤسسات الدولة وهو ما تولاه الرئيس نفسه بتجميد تشكيل المحكمة الدستورية ومنع وزراء حصلوا على ثقة البرلمان من أداء اليمين في مخالفة صارخة للدستور بما يعني إرباك الأداء الحكومي، إضافة إلى عبير موسى التي كان دورها محصورا في تحويل البرلمان إلى مؤسسة من التهريج والفوضى لإفشاله ورسم صورة بائسة له أمام الجماهير التونسية التي كانت تشاهد كل ذلك على الهواء مباشرة. وصولا إلى المظاهرات التي كان بعضها مفتعلا وموجها ضد حركة النهضة فقط رغم أنها لا تملك سوى ربع مقاعد البرلمان في إطار تحالف سياسي، فلا الرئاسة في يديها ولا حتى رئاسة الحكومة لأن هشام المشيشي رئيس الحكومة هو من اختيار قيس سعيد لا البرلمان ولا حركة النهضة.

مسار الانقلاب في تونس قد يشهد خلال الفترة المقبلة قرارات جديدة تحوله إلى انقلاب كامل على الدستور والثورة والديمقراطية، والأرجح أن قيس سعيد قد يصدر قرارا بتجميد عمل بعض الأحزاب على رأسها النهضة وقلب تونس والأحزاب المكونة لتحالف الكرامة الذي يبدي معارضة شديدة لانقلاب قيس سعيد.

وقد يصدر الرئيس قرار بتجميد العمل بالدستور لحين إجراء استفتاء يحول النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي، وإذا خرجت مظاهرات تعارض هذه القرارات قد يتم التعامل معها بعنف وبطش أمني وسط تصفيق بعض وسائل الإعلام الممولة إماراتيا وصولا إلى وصف حركة النهضة بالإرهاب وتحت لافتة الحرب على الإرهاب يتم وأد التجربة التونسية و استئصال أي معنى للثورة والديمقراطية والإرادة الشعبية.

ربما كان الأفضل للتجربة التونسية خلال الفترة الماضية التجاوب مع قيس سعيد وتشكيل حكومة تلبي رغباته، وبالتالي يتحمل هو المسئولية عن أي فشل ما دام أنه كان من الواضح أنه يعد لانقلاب من خلال إرباك مؤسسات الدولة وتجميد تشكيل المحكمة الدستورية ثم زيارة في أبريل 2021 للقاهرة ولقائه بجنرال الانقلاب في مصر عبدالفتاح السيسي، وهي الزيارة التي برهنت على أن  تونس مقبلة على مرحلة انقلاب وانحياز سافر لتحالف الثورات المضادة على يد قيس سعيد. لكن ذلك ربما كان يضع النهضة في مشاكل مع بعض حلفائها في البرلمان. إضافة إلى أن المناوئين للحركة استئصاليون يرفضون وجودها من الأساس وليس مجرد المشاركة في الحياة السياسية.

إزاء هذه المعطيات، سيكون من الصعب المزايدة والتعالم على "النهضة" فيما كان ينبغي عليها أن تفعله بحسب المحلل السياسي ياسر الزعاترة،  الذي يؤكد في مقال له بين الانقلاب في مصر وتونس أن الأسوأ بين المزايدين هم أولئك الذين كانوا يريدون منها مواقف ثورية لا تسمح بها ساحة منقسمة ومخترقة، وللعلمانية فيها حضور كبير، لا تجده في أي بلد عربي آخر؛ بجانب اليسار، وفوق ذلك قوة الاتحاد العام للشغل المناهض لـ"النهضة" أيضا.

ويرى الزعاترة أن ترتيب الانقلاب لم يكن صعبا في واقع الحال، إذ كان يكفي أن يتم ترتيب الأمر مع المؤسسة الأمنية والعسكرية الراغبة في ذلك، بجانب "اتحاد الشغل"، حتى يكون الأمر ميسورا، وهؤلاء جميعا، كانت قوى "الثورة المضادة" تتواصل معهم طوال الوقت، وتقدم لهم الوعود الناجزة والقادمة، وهي قادرة دون شك على ذلك، ولا  شك أن واقع "كورونا" الصعب قد سهّل الأمر بتعزيز غضب قطاعات من الناس، بخاصة الفئات الشابة التي زادت معاناتها؛ ليس في تونس وحدها، بل في كل الدول ذات الأوضاع الاقتصادية المشابهة.

ما يجب قوله هو أن قوى الإصلاح أو التغيير تغدو يتيمة حين لا يتوفر لها ظهير خارجي، وتغدو أكثر يُتما حين يكون أكثر الخارج (الإقليمي والدولي) ضدها، وتغدو أسوأ من ذلك بكثير، حين تكون حصتها في الشارع غير قادرة على الحسم، كما هو حال "النهضة" راهنا، ثم يصير الوضع أسوأ وأسوأ، حين تتوفر قوىً خارجية تملك قابلية الدفع بلا حساب لكل من يعمل على التخريب عليها.

كل ذلك كان متوفرا في الحالة التونسية، ولا يشذّ عنه سوى موقف مختلف وقليل التأثير من قطر وتركيا، وقد كان لافتا أن إيران أيضا كانت ميّالة لسعيّد أيضا، وبالطبع تبعا لتأييده لنظام بشار من جهة، ولأنها تتفق مع "الثورة المضادة" ضد ربيع العرب، ولا تفضّل وجود أنظمة بروافع شعبية، فضلا عن أن تكون تلك الروافع إسلامية (سنيّة).

وينتهي الزعاترة إلى أنه لا يميل إلى تقريع "النهضة" على ما جرى، رغم أخطاء وصراعات داخلية مؤسفة، وإن كان بعضها طبيعيا، وما آمله هو أن لا يكرروا تجربة إخوان مصر فيما بعد الانقلاب، أعني بتعزيز الخسائر عبر تصعيد يفضي إلى صدام بلا جدوى في بلد متعب. فأن تخسر جولة وتبقي على الكثير من قوتك الشعبية والتنظيمية، أفضل من أن تخسر على الصعيدين، ثم يتمّ تحميلك مسؤولية فشل الطرف الآخر الذي يبدو مرجّحا إلى حد كبير، رغم الدعم المالي الذي قد يتدفق في البداية لثبيت انقلابه. هذا لا يعني الجلوس في البيوت، وانتظار عقلانية من طرف لا يظهرها، بل يجب نسف مقولة الظهير الشعبي للانقلاب، بحراك سلمي في الشارع، ولو بفعاليات متقطعة، يعلن الإصرار على المسار الديمقراطي بعيدا عن الأحادية والإقصاء.

هذا النضال ينبغي أن يلتحم مع القوى الحيّة الأخرى في المجتمع، من أجل منع سعيّد (أو بديل آخر قادم) من تكريس دكتاتورية بثوب ديمقراطي، وهو الخيار الأفضل، سواءً حقق النجاح المطلوب أم ما هو أقل من ذلك، والسياسة جولات تتبعها جولات، والأيام دول، و"النهضة" حركة متجذّرة في وعي شعبها، بل هي أكثر من دافع عنه، وذاق ويلات الدكتاتورية منذ عقود طويلة.

Facebook Comments