لم يقتصر نظام الانقلاب على المساعدة على نهب وتهريب الآثار المصرية للخارج؛  بل بدأ يتلاعب في أعمال ترميم الآثار من خلال إسنادها لشركات مقاولات غير متخصصة في هذا الفن بما يهدد بانهيار الكثير من الآثار الإسلامية والفرعونية والقبطية. 

وأكد الخبراء أن "إسناد بعض الأعمال إلى شركات المقاولات التي لا تمتلك خبرة في مجال الترميم أدى إلى تدهور حالة الكثير من الآثار خاصة الإسلامية، وضياع القيمة التاريخية للأثر في أحيان كثيرة وتغيير تفاصيله".

وحذروا من أن "هذه الشركات قد تتسبب في انهيار الآثار عقب سنوات قليلة من أعمال الترميم نتيجة استخدامها مواد وخامات وأدوات غير مناسبة للأغراض التي تنفذها، فضلا عن طمس ملامح أجزاء متعددة من الأثر، ما يؤدي في النهاية إلى خسائر لا يمكن تعويضها".

كان حادث سقوط الرفرف الخشبي لقبة وضوء مسجد السلطان حسن مؤخرا، جرس إنذار قبل فوات الأوان للنظر في الأحوال المتدهورة للآثار المصرية خاصة الإسلامية منها، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه نظرا للحالة السيئة والإهمال الذي لحق بالكثير من الآثار.

يشار إلى أن "سوء عمليات الترميم كان سببا في ضياع القيمة التاريخية لعدد من الآثار الإسلامية مثل مساجد المتولي في جرجا بسوهاج، والمسجد الكبير بقمن العروس في بني سويف، والمحلى وزغلول في رشيد، كما كان هناك عدد من سوابق سوء الترميم لعدد من الآثار المصرية القديمة أبرزها تشويه ذقن توت عنخ آمون، وتحطيم أجزاء من تمثال سيتي الأول، وأخطاء ترميم الواجهة الخارجية لهرم زوسر، واستخدام الحديد في تثبيت تمثال رمسيس بمعبدالأقصر، وغيرها".

 

مخاطر كبيرة

حول كوارث ترميم الآثار في زمن جهلة العسكر قالت الدكتور مونيكا حنا، عميد كلية الآثار والتراث الحضاري بالأكاديمة العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إن "عمليات الترميم الحديثة تقضي على الكثير من التفاصيل التاريخية للآثار".

وكشفت مونيكا في تصريحات صحفية، أنه "يتم طمس المعالم التاريخية للأثر واستبدالها بأخرى حديثة لا تتعلق بالقديمة، فالتراث الإسلامي خاصة الموجود خارج محافظة القاهرة يتعرض لمخاطر كبيرة واحتمال فقدان أصالته؛ لأن هناك نقصا في الاهتمام به من جانب مسئولي الانقلاب، كما يتفاقم الوضع بسبب غياب التنسيق بين وزارتي الأوقاف والآثار والسياحة بحكومة الانقلاب خلال الترميم".

وأكدت عميدة كلية الآثار أن "الخسائر الناتجة عن هذا الأمر لا تقدر بأي ثمن ولا يمكن تعويضها، وتؤثر بشكل كبير على النسيج العمراني التراثي ليس فقط للآثار وإنما للمناطق المحيطة بها، مشيرة إلى أن هذه الخسائر تثني الأفراد عن الحفاظ على مبانيهم القديمة، وتتحول فكرة الترميم عندهم إلى إعادة البناء وإنشاء مبنى جديد بالكامل بدلا من الحفاظ على القديم".

واعترفت بأن "الحفر غير المشروع والتعدي والتطوير العقاري غير المخطط له قد أضر بالتراث المصري القديم في السنوات الإحدى عشرة الماضية، مؤكدة أن نظام العسكر لديه تاريخ طويل من الترميمات المعيبة للآثار الإسلامية، والتي تشمل الهدم وإعادة الإعمار والإضافات غير التاريخية". 

 

عمليات مدمرة

وأشارت عميدة كلية الآثار إلى أنه "لم يتبقَ اليوم سوى القليل من الآثار الإسلامية بحالتها الأولى، أقدمها مقياس النيل في جزيرة الروضة (869 م)، والذي يعود تاريخه إلى مائتي عام بعد الفتح العربي لمصر، موضحة أنه غالبا ما تخضع الترميمات في العاصمة القاهرة للتغطية الإعلامية وتدقيق الجمهور، ولكن في المحافظات تنتشر الانتهاكات على نطاق واسع والعديد من عمليات الترميم الفاشلة تمر دون أن يلاحظها أحد" .

ولفتت إلى أنه "من أبرز أخطاء الترميم مؤخرا، هدم المباني القديمة الأثرية واستبدالها بأخرى حديثة لا قيمة معمارية أو تاريخية أثرية لها، رغم إمكانية الحفاظ على المباني القديمة التي كانت في بعض الأحيان سليمة نسبيا، فضلا عن استخدام أنواع وخامات في الترميم غير صالحة لهذا الغرض سواء في إعادة البناء أو الزخرفة، ضاربة أمثلة على هذا الأمر بما حدث في مساجد المتولي في جرجا بسوهاج، وقمن العروس في بني سويف، والمحلى وزغلول في رشيد".

وكشفت عميد كلية الآثار أن "أضرحة المساجد في جميع أنحاء القاهرة ومصر تعرضت لعمليات ترميم مدمرة أو إعادة بناء كاملة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، مثل ضريح الرفاعي (1869)، مسجد الحسين (1874)، ومسجد السيدة زينب (1940) وغيرها من الأضرحة".

 

الميزانية لا تسمح بالترميم 

وقال الدكتور غريب سنبل، رئيس الإدارة المركزية للصيانة والترميم بوزارة الآثار سابقا، إن "الوزارة تواجه عقبات متعددة أثناء ترميم الآثار خاصة منطقة القاهرة الإسلامية؛ لأن عمر المباني يتراوح بين 500 و600 سنة، وتعاني ارتفاع المياه الأرضية على عمق متر إلى مترين وليس المياه الجوفية التي تمتد لأعماق كبيرة تحت الأرض".

وأضاف سنبل في تصريحات صحفية أن "مشكلة المياه الأرضية مع الصرف غير الصحي في بعض المناطق الأثرية تؤدي إلى عدم القدرة على ضبط مناسيب المياه، ما يعرض الآثار إلى مشاكل خطيرة باستمرار، مشيرا إلى أن تكلفة مواجهة مشكلة المياه في أثر واحد فقط تبلغ ملايين الجنيهات، والآثار لا تمتلك ميزانية تكفي لمواجهة المشكلة في كل المناطق، وبالتالي فهي تتعامل مع الأثر شديد الخطورة فالأقل خطورة".

وحول إسناد عمليات الترميم إلى شركات مقاولات، اعترف أن "ذلك كان يحدث بالفعل مؤكدا أن شركات المقاولات تعمل في الآثار الإسلامية فقط، أما الفرعونية فيقوم بترميمها وزارة الآثار".

وأكد سنبل أننا "ما زلنا نعاني حتى الآن من أعمال بعض الشركات التي أُسند إليها أعمال منذ 2001 و2005، بسبب دخول شركات غير متخصصة، ومنها على سبيل المثال مسجد جانم البهلوان بمنطقة الدرب الأحمر في القاهرة".

Facebook Comments