في يوليو منذ ثماني سنوات خرج السفاح عبد الفتاح السيسي حين كان وزيرا للدفاع بخطاب عزل أول رئيس مدني منتخب في مصر، وكان ذلك مساء يوم الأربعاء 3 يوليو 2013، حيث خرج السيسي على المصريين بزيه العسكري في صورة ستظل هي الفارقة في تاريخ الانقلاب بمصر.
خرج الجنرال السفاح من عتبة المقاعد الخلفية بعد أن أعد العدة وملك زمام الجيش وخضعت له الأحزاب السياسية ودعمته المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر والكنيسة، وقام بالإطاحة بالرئيس الشهيد محمد مرسي الذي تم انتخابه بعد ثورة 25 يناير المجيدة، ليطيح بهذه الخطوة بكل مكتسبات ثورة يناير.
واليوم واستمرارا لسياسة إلهاء المصريين عن جرائم الانقلاب ومحاولة الخلاص منه، يخرج السفاح بحديث جديد يمس لقمة عيشهم، حيث أعلن عزمه رفع ثمن رغيف الخبز المُدعم، في إجراء هو الأول من نوعه منذ عقود.

عيش حرية
ومع اندلاع ثورة 25 يناير 2011، أصبح رغيف الخبز أول وأحد مفردات شعار الثورة المصرية، التي رددها ملايين المصريين طوال 18 يوما في ميدان التحرير، وما تبعها من مظاهرات واحتجاجات “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية”.
وفي نهاية عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وصلت أزمة رغيف الخبز إلى وضع قاسٍ ومزرٍ؛ بسبب افتقاره للجودة شكلا ومضمونا، وصعوبة الحصول عليه، إلا بعد الوقوف في طوابير طويلة ومذلة منذ ساعات الفجر الأولى.
وقال السفاح السيسي، إن “الوقت قد حان لزيادة سعر رغيف الخبز ومن غير المعقول أن يباع 20 رغيفا من الخبز بثمن سيجارة واحدة“. وقدر السيسي تكلفة رغيف الخبز التي تتحملها الدولة بـ“60 أو65 قرشا”، وقال “مبقولش نغلّيه قوي زي ما بيقف علينا، لكن هذا الأمر لا بد أن يتوقف“.
ويعتمد غالبية المصريين، خصوصا محدودي الدخل والفقراء، على رغيف الخبز المدعوم والذي يُباع بخمسة قروش، حيث يستفيد65.3 ملايين فرد ويخصص لكل واحد منهم 5 أرغفة يوميا، ضمن برنامج شهري يشمل مواد غذائية أخرى.
ولم يذكر السفاح السيسي حجم الزيادة المنتظرة في السعر، لكن وزير التموين علي مصيلحي، أعلن عن البدء الفوري في دراسة تلك الزيادة، وعرضها على مجلس الوزراء في أسرع وقت ممكن.
المفارقة هنا أن خريطة الطريق التي قدمها السفاح السيسي في بيان الانقلاب، وتعطيل العمل بالدستور، تضمنت وعوده بالرفاهية والحياة الكريمة والاستقرار السياسي والاقتصادي على المصريين.

بكرة تشوفوا مصر
وعلى مدار ثماني سنوات تكررت الوعود من السفاح السيسي، بأن مصر ستكون “أد الدنيا”، وبـ “بكرة تشوفوا مصر”، و”أنتوا نور عنينا”، وغيرها من التصريحات التي أثارت سخرية المصريين خاصة بعد الأزمات المتعاقبة عليهم طيلة سنوات انقلاب السفاح.
ولكن الواقع يكشف زيف هذه الوعود، حيث يعيش الشعب المصري منذ الانقلاب في دوامة من الأزمات والديون غير المسبوقة، بالإضافة إلى التفريط في مقتضيات الأمن القومي المصري والتفوق الإستراتيجي.
قبل الانقلاب في يناير 2013، جاء الدكتور باسم عودة وزيرا للتموين في حكومة الدكتور هشام قنديل، وكان من ضمن أولوياته تطبيق منظومة الخبز الجديدة، والارتقاء بجودته، وتوفيره، نجح في أن يطبق المنظومة في أسابيع قليلة، رغم ما لاقاه من إضرابات ومعارضات من المخابز، ونجح في تحرير سعر القمح للمطاحن والدقيق للمخابز، والتأكيد على وزن الرغيف 130 جراما، برطوبة 35 بالمئة، وجودة عالية منقطعة النظير، وبات على مائدة كل المصريين، للفقير والغني.
رغم مدة وزارته القصيرة ، تم توفير 2 مليون طن قمح، نتيجة توقف الفساد في المنظومة، ومن أهم القرارات وقف إضافة دقيق الذرة الساري منذ منتصف التسعينات، وكان قرارا خاطئا يضر بصحة المصريين؛ لأنه يحتوي على سموم فطرية تسبب السرطان وتضر الكبد، وأخذ قرارا بوقف هذه الإضافة، رغم معارضة أصحاب المصالح من أصحاب المخابز والمطاحن، وكان له تأثير كبير على جودة رغيف الخبز المدعم.
في عهد الانقلاب تم تحديد 5 أرغفة فقط لكل مواطن، على عكس ما كان معمولا به في عهد الدكتور مرسي، كان المواطن يأخذ ما يريد، بل كان هناك اتجاه في عهد الوزير الحالي لتقليص حصة الفرد إلى ثلاثة، ولكن تراجعت الدولة، بعد أن وجدت رفضا شعبيا، وأخيرا قُلل وزن رغيف الخبز إلى 90 جراما بدلا من 110 جرامات، وهو تخفيض الدعم بشكل ملتوٍ، فأصبح المواطن يحصل على 4 أرغفة بدلا من خمسة، وفق الوزن الحقيقي لحصته.
ولم يستطع جنرالات الخراب على مر العقود مجرد الاقتراب من ملف زيادة أسعار الخبز، ولم يرتفع سعر الخبز في مصر منذ عام 1988، حين رُفع حينها إلى 5 قروش، رغم أن قرارات الدعم الحكومي خلال تلك السنوات قد طالت جميع السلع الحيوية في مصر عدا الخبز.

انتفاضة الخبز

في عام 1977 انتفض المصريون ضد رفع سعر الخبز في ما يعرف بـ“انتفاضة الخبز“، إذ اندلعت اشتباكات عنيفة بين المواطنين وقوات الشرطة، وأضرم المحتجون وقتها النيران في عدد من المرافق ومراكز الشرطة، وراح ضحية الأحداث عشرات القتلى، وآلاف من المصابين والمعتقلين.
وكان سبب انتفاضة المصريين، عندما أقدم السادات على رفع سعر الخبز بنسبة 50%، عام 1977، وظلت “انتفاضة الخبز” شبحا يلوح أمام عصابة الانقلاب كلما فكرت في رفع دعمها عن الخبز.
السؤال هنا هل صار السفاح السيسي لا يحسب حسابا للغضب الشعبي؟ هل اطمأن تماما إلى أن الشعب بلغ من الإعياء واليأس ما يجعله لا يظهر أي بادرة لمقاومة عواصف الرأسمالية العسكرية المتوحشة وينتفض بثورة عارمة؟.

Facebook Comments