التصالح في مخالفات البناء وتحميل المواطنين مسئولية هذه المخالفات وسيلة شيطانية لجأ إليها نظام الانقلاب لاستنزاف الغلابة والاستيلاء على أموالهم، ومع إدراك الشعب المصري لجنون السيسي بالمال وسعيه لـ"تنفيض جيوبهم" بكل الوسائل أعربت الغالبية العظمى من المصريين عن سخطها ورفضها لهذا الابتزاز الرخيص وتنفيذا لهذا رفضوا التقدم لما يسميه الانقلاب التصالح في مخالفات البناء واختاروا ترك الأوضاع على ما هي عليه وليفعل السيسي ما يشاء.
هذا الرفض والسخط الشعبي اعترفت به وزارتا التنمية المحلية، والإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة بحكومة الانقلاب وأكدتا أنه "رغم مد فترات التقدم للتصالح على مخالفات البناء أكثر من مرة، لم يتقدم للتصالح أكثر من 10% من إجمالي المخالفات".
وكشف تقرير صادر عن الوزارتين أن "إجمالي عدد طلبات التصالح في مخالفات البناء نحو 2.8 مليون طلب حصيلتها نحو 18 مليار جنيه من المحليات، وتم الانتهاء من 74 ألف طلب، وتم قبول أكثر من 40 ألفا، ورفض نحو 33 ألفا".
وأوضح التقرير أن "نسبة من التصالح الوهمي في مخالفات البناء بلغت حوالي 2 أو 3 %، بنحو 100 ألف طلب من إجمالي الطلبات المقدمة، ومن هذه الحالات، قيام المواطن ببناء غرفة أو اثنتين من الطوب اللبِن أو الأبيض، ليحصل على التصالح ونموذج 10، حتى يكون له حق البناء بعد ذلك".
محاكمة جنائية
من جانبه قال محسن النعماني وزير التنمية المحلية الأسبق إن "ملف مخالفات البناء" تُرك وأُهمل فترة طويلة، ما جعل المخالف يتصور أن دولة العسكر أمام أمر واقع، وقبلت مبدأ المخالفة بل ووضعها تحت مسمى "الحق المكتسب"، وأدى هذا الاعتقاد إلى كم المخالفات التي نراها اليوم في تلك المباني التي تم بناؤها على أساس ليس بسليم وبدون ترخيص فلا أحد يعلم السلامة الإنشائية لهذه المباني، مما يعرض حياة ساكنيها للخطر".
وحذر النعماني في تصريحات صحفية من التصالح في تلك المخالفات لأننا "بذلك نفتح الباب لكل من يريد البناء المخالف وهو يعلم أنها سوف تنتهي بمصالحة دون معرفة مدى السلامة الإنشائية للمبنى، ما يعرض حياة السكان للخطر بعد حصول المالك والمقاول على ثمن الوحدات ويكون الضحية هوالمواطن".
وشدد على ضرورة أن "تكون الأولوية الأولى هي " حياة المواطن" لافتا إلى أن هناك من يريد أن يتلاعب بثغرات القانون".
وطالب النعماني "بتحويل المخالفات وكل من شارك فيها إلى المُحاكمة الجنائية، وعدم التسامح أو التصالح معهم، موضحا أن القضية معقدة نظرا، لإهمال هذا الملف لفترة كبيرة وأن دولة العسكر تتحمل المسئولية الكبرى في هذه المخالفات، لأنها كانت شريكا في ذلك لعدم اتخاذها أي قرار ضد المخالفات".
ثغرات القانون
وحول وقائع التصالح على مخالفات بناء دون وجود مباني كشف الدكتور عبد الرحيم قناوي أستاذ ورئيس قسم التخطيط العمراني بهندسة الأزهر، أن "هناك مخلفات غير واقعية، حيث يقوم المواطن بإجراءات التصالح قبل البدء في البناء وفي نفس الوقت يواصل البناء حتى يكتمل المبنى قبل البت في المصالحة وعند المعاينة يتم اكتشاف أن هناك مخالفة بالفعل".
وقال قناوي في تصريحات صحفية إن "هناك مرفقات بالملف الذي يقدمه المواطن للتصالح ومن ضمن تلك المرفقات مستند يسمى " تقرير عمر المبنى" أو باللغة الهندسية يسمى "كربنة"، وهذا عبارة عن تقرير يصدر من أحد المركز البحثية أو كليات الهندسة ومن خلال التقرير المقدم من الاستشاري بعد تحليل عينة من خرسانة المبنى أو الأدوار المخالفة، والتي من خلالها يتم تحديد عمر المبنى، حيث يتم التحقق ومن هنا لا يتم إثبات إذا كان قد بُني قبل القانون أم بعد القانون".
وأشار إلى أن "لكل شيء سلبيات فهناك تقارير ودراسات ونتائج غير دقيقة وبالتالي هنا تكون مخالفة على المخالفة".
وأوضح قناوي أن "هناك لجنة تسمى " لجنة المعاينة" معنية بالنزول لمعاينة العقار المخالف على الطبيعة عند تقديم ملف التصالح، ولكن عند تأخر لجنة المعاينة تُعطي فرصة لاستغلال ثغرات القانون".
وتساءل قناوي لماذا بعد مد المهلة أكثر من مرة للتصالح على المباني المخالفة لم يتقدم لها سوى حوالي 10% من حجم العقارات المخالفة؟ موضحا أن أي قانون يرى النور لابد أن تكون له آليات للتنفيذ وحتى الآن آلية تطبيق قانون المخالفات ما هي إلا استيفاء أوراق، بمعنى أن المواطن يقوم بتقديم الملف، وبعدها يسدد المبلغ التقديري للمخالفة، وهذا ترتب عليه أن المواطن لم يرى جدية من دولة العسكر في تطبيق القانون، أي أنه لا تتم إزالة المخالفة ولكن نجد أن هناك إزالة للمخالفات الصريحة الواضحة، مثل التعدي على الأراضي الزراعية، ولكن الأمر يختلف بالنسبة للمباني داخل الكتلة العمرانية وأن التعامل معها لم يكن بقدر الأهمية حتى الآن، بخلاف أن دولة العسكر أظهرت مبدأ السماح للمواطن في مد فترات التصالح أكثر من مرة لعملية تقديم الملف ومع ذلك مد فترة استيفاء الأوراق الخاصة، ونجد أن الذبذبة في تحديد الميعاد النهائي لعملية التصالح غير مستقر وهذا أكد للمواطن أن دولة العسكر سوف تستمر في عملية التصالح إلى ما لا نهاية".
وأكد أن "بعض المواطنين لديهم قناعة بأن هذا القانون ما هو إلا مجرد مورد لدولة العسكر للحصول على ميزانيات جديدة وهذا ساهم في ضعف وعدم تناسب حجم الملفات المقدمة مع حجم العقارات المخالفة، فلكل قانون ثغراته وتجاوزاته متسائلا ماذا فعلت دولة العسكر تجاه هذه التجاوزات؟".