فجرت أزمة تعيينات مجلس الدولة حالة من الجدل والغضب في أوساط الطلاب المتفوقين الذين جرى استبعادهم لأسباب أمنية أو اجتماعية في الوقت الذي جرى فيه تعيين خريجيين حصلوا على تقييمات ضعيفة بين مقبول وجيد فيما تم استبعاد حاصلين على امتياز وجيد جدا لدواع أمنية.

وبحسب موقع "مدى مصر" فقد جرى استبعاد أبناء قضاة لأسباب أمنية؛ الأمر الذي فجر غضبا واسعا في الأوساط القضائية وينقل الموقع عن عمر سامي درويش تظلمه إلى رئيس مجلس الدولة السبت الماضي مطالبا بإعلان أسباب استبعاده من التعيين في المجلس رغم اجتيازه كافة مراحل التعيين والكشف الطبي وحصوله على تقدير امتياز. وقال درويش في تظلمه: ««إذا كان السبب الحقيقي وغير المُعلن لاستبعادي من التعيين في مجلس الدولة هو الانتقام من والدي بسبب أحكام قضائية كتبها وشارك في إصدارها، فتهون الوظائف كلها، بل وتهون الحياة، ولا أقبل انتقامًا منه أو ضغطًا عليه في عمله بسببي».

وعمر هو نجل المستشار سامي درويش، نائب رئيس مجلس الدولة، وأحد القضاة الذين شاركوا في كتابة حكم القضاء الإداري، في يونيو 2016، ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وما تضمنته من تخلي مصر عن سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير.

بخلاف نجل القاضي المشارك في كتابة حكم تيران وصنافير، اعتبر أحد مستشاري مجلس الدولة، الذين استُبعد أبناؤهم من التعيين في هذا المجلس ــ بحسب مدى مصر ــ أن سمعة أكثر من 14 مستشارًا لا يزالون يجلسون على المنصة مُهددة، بسبب استبعاد أبنائهم ﻷسباب أمنية.

وبداية من السبت قبل الماضي، تقدم أكثر من 40 من أبناء المستشارين والمسؤولين، من المُستبعدين من التعيين في وظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة، بتظلمات لرئيس المجلس، وذلك لأنهم من أوائل خريجي كليات الحقوق، دفعة 2016، واجتازوا الكشف الطبي. وفي تظلماتهم، طالبوا رئيس الانقلاب بحذف معاوني النيابة الذين أعاد تعيينهم في «المجلس» وتعيين المستبعدين بدلًا منهم، بترتيب درجاتهم.

وكانت الجريدة الرسمية نشرت في الخامس من أغسطس 2021م، قرارين جمهوريين، الأول برقم 327 لسنة 2021، وتضمن تعيين عبد الفتاح السيسي 204 من خريجي كليات الحقوق والشرطة والشريعة والقانون دفعة 2016 في وظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة، والثاني برقم 328 لسنة 2021 وتضمن تعيين 207 من خريجي نفس الكليات دفعة 2017 في الوظيفة نفسها.

القراران المُشار إليهما ميزهما تضمنهما لعدد كبير ممَن سبق أن عينهم السيسي في النيابة العامة في 12 أبريل الماضي، ما أثار اعتراضات المُستبعدين من التعيين، خاصة من أبناء مستشاري مجلس الدولة الحاصلين على تقديرات تتراوح ما بين امتياز وجيد جدًا.

 

استبعاد من جهة سيادية 

بحسب المستشار المُستبعد نجله من التعيين، والذي طلب عدم ذكر اسمه، كان أهم دوافع تظلم هؤلاء المستبعدين هو تأكيد رئيس مجلس الدولة، وعدد من أعضاء المجلس الخاص (أقدم سبعة مستشارين) أن الاستبعاد لم يتم من جانبهم، وإنما من طرف جهة سيادية أبلغت اعتراضها لرئاسة الجمهورية. المصدر السابق نفسه، وهو رئيس إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا، قال إن المستبعدين هم أوائل دفعاتهم، فضلًا عن كونهم أبناء «مستشارين أفاضل» يترأسون دوائر بمحكمة القضاء الإداري وبـ«الإدارية العليا» ومشهود لهم بالنزاهة ولا يمكن اتخاذ أحكامهم كذريعة ضدهم.

ولفت المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن مجلس الدولة أصدر، سابقًا، أحكامًا قضائية ضد [الرئيس الراحل حسني] مبارك، وقت رئاسته للبلاد، وفعل الأمر نفسه مع المجلس العسكري، ومع الإخوان، وسيظل يقوم بالمهمة نفسها، وأضاف مؤكدًا «لا نعمل بالسياسة ولا نعرفها، ونحكم بما تمليه علينا ضمائرنا».

يشير المصدر نفسه إلى أن المجلس جهة قضائية مُستقلة، والمتعارف عليه أنه في حال رغبة الرئاسة في استبعاد أحد المرشحين للتعيين في أي جهة قضائية، فإن الاستبعاد يتم بواسطة تلك الجهة، وليس من قِبل الرئاسة، مفسرًا بأنه في حال افتراض وجود اعتراض من جهة سيادية على تعيين نجله، الحاصل على أكثر من 90% والثاني على دفعته، يكون المسؤول عن استبعاده هو رئيس مجلس الدولة وليس الرئاسة.

«إما رئيس المجلس ما بعتش الأسماء، أو الأسماء راحت الرئاسة واترفضت، وفي الحالتين هناك خطأ يجب تصحيحه» يقول المصدر، موضحًا «لو اتشالت الأسماء من رئيس المجلس يبقى فيه تعديل لمحضر اجتماع المجلس الخاص اللي انعقد بتاريخ 27 مارس الماضي، وتضمن أسماء المستبعدين. ولو من الرئاسة يبقى تدخل في عمل القضاء» مُشيرًا إلى أنه في السنوات السابقة كان رئيس الجمهورية يعيد القرار للجهة القضائية لتقوم هي باستبعاد الأسماء المعترض عليها بمعرفتها واستبدالها بأسماء أخرى.

بحسب رئيس الدائرة في «الإدارية العليا»، فإن خطوة المستبعدين المقبلة ستكون إقامة دعاوى قضائية ضد قرار رئيس الجمهورية الذي تخطاهم في التعيين، وذلك بعد مرور شهرين من تاريخ تقديم كل منهم لتظلم ضد قرار استبعاده.

بخلاف أبناء المستشارين، اشتكى عدد من أوائل كليات الحقوق من دفعة 2016، من استبعادهم هم أيضًا من التعيين في المجلس، لصالح من هم دونهم في المجموع التراكمي والترتيب. أحد هؤلاء، وهو معيد بكلية الحقوق جامعة عين شمس، قال إنه حاصل على مجموع 92% وكان ترتيبه الثالث بين خريجي كليته، والثاني بين المتقدمين لشغل وظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة، لافتًا إلى أنه حاليًا مدرس مساعد بالجامعة وحاصل على ماجستير ومُقيد في الدكتوراه في قسم القانون المدني بالكلية.

المعيد، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أضاف أنه اجتاز جميع الاختبارات والتحريات، بما فيها تحريات الأمن العام والأمن الوطني والرقابة الإدارية، وبعدها اتصل به أحد أعضاء الأمانة الفنية للمجلس وطلب منه مراجعة بعض البيانات، وبعد أيام أُبلغ بموعد الكشف الطبي، كمرحلة أخيرة في إجراءات الترشح للتعيين يليها اعتماد رئيس المجلس للائقين طبيًا وإرسال مشروع قرار تعيينهم في المجلس إلى رئيس الجمهورية.

 

تظلمات بلا جدوى

باجتيازه الكشف الطبي، انتظر المعيد صدور القرار الجمهوري بتعيينه في المجلس منذ مارس الماضي، خاصة مع اجتيازه مرحلة التحريات وقت تعيينه بجامعة عين شمس فور تخرجه قبل أربع سنوات، ولكن صدر القرار في أغسطس خاليًا من اسمه، ليقرر بدوره تقديم تظلم لرئيس مجلس الدولة، قبل نهاية اﻷسبوع الجاري، تمهيدًا لإقامة دعوى قضائية ضد قرار رئيس الجمهورية بتخطيه في التعيين.

بينما يحضّر المعيد لتقديم تظلمه، تقدّم خالد مجدي حافظ، الحاصل على تقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف من الشعبة الإنجليزية في كلية الحقوق جامعة عين شمس بثلاثة تظلمات، السبت قبل الماضي، إلى كل من رئيس الجمهورية، ووزير العدل، ورئيس مجلس الدولة، يطالبهم بالكشف عن أسباب استبعاده. والد خالد هو نقيب محامين جنوب القليوبية، الذي قال لـ«مدى مصر» إن زوجته تعمل كبير باحثين في مجلس الدولة، معتبرًا أنه لا يوجد سبب حقيقي ليتم استبعاد نجله أمنيًا، أو لسبب غير أمني، خاصة في ظل تضمن قرار رئيس الجمهورية تعيين قرابة 100 شخص تم تعيينهم في النيابة العامة بالفعل منذ أشهر.

وشدد حافظ على أن تقديرات جميع المستبعدين من التعيين تتراوح ما بين جيد جدًا إلى امتياز، فيما شمل قرار التعيين ثلاثة خريجين حاصلين على تقدير جيد، مؤكدًا أن هذه المعلومة ستكون موضوع الدعوى القضائية التي يستعد لإقامتها في حال عدم استجابة رئيس المجلس للتظلم، ومخاطبة رئيس الجمهورية لإصدار قرار جمهوري باستبدال معاوني النيابة بأوائل كليات الحقوق الذين استُبعدوا بعد اجتياز مرحلة الكشف الطبي.

وفيما طالب حافظ السيسي بالتدخل لبعث الأمل في الشباب المتميز الذي ربما يكفر بالعدالة والمساواة في مصر إذا أُهدرت فرصه في التعيين تساءل «ليه يستبعدوا ابني وباقي الأوائل، ويعينوا ابن وزير العدل بـ80%؟، أنا حاصل على نفس مؤهل وزير العدل، فما هو معيار المفاضلة بيني وبينه؟».

Facebook Comments