تتباين التقديرات حول حجم آثار مصر المهربة، لكن أكثرها دقة هو ما أعلنت عنه وزارة الآثار بحكومة الانقلاب عبر بيان رسمي في أغسطس 2017م؛  إذ كشفت عن فقدان 32 ألفًا و638 قطعة أثرية على مدار أكثر من 50 عامًا مضت، بعد أعمال حصر وتوثيق للقطع المسجلة في المخازن والمتاحف المصرية، فيما استردت مصر 975 قطعة أثرية من 10 دول مختلفة خلال الفترة من مارس 2016 وحتى مايو 2018، وفق ما جاء في بيان صحافي لوزارة الآثار عقب تسلمها الآثار المهربة إلى إيطاليا.

في مارس 2018م، فوجئ المصريون بإعلان الإدارة الكويتية العامة للجمارك عن ضبط غطاء تابوت فرعوني بعد تهريبه داخل قطعة أثاث (كنبة) عبر مطار القاهرة، وتبين من التحقيقات في القضية رقم 3545 لسنة 2018 عقب تفريغ كاميرات المراقبة الموجودة في المطار لمعرفة خط سير الكنبة وكيفية خروجها من المطار، أن أمين الشرطة العامل على جهاز الماسح الضوئي الذي مرت قطعة الأثاث وبداخلها الأثر، كان يتحدث في التليفون ووجهه في الاتجاة الآخر بعيداً عن الجهاز حتى مرورها.

 

فضيحة شقة الزمالك

في هذا السياق وفي مفاجأة صادمة لكنها كانت متوقعة، قررت محكمة الأمور المستعجلة وقف إجراءات تنفيذ حكم الحجز على "شقة الزمالك"، المعروفة إعلاميا بـ"مغارة علي بابا" والتي ضبط بها كميات هائلة من الآثار المهربة التي تحفظت عليها  الأجهزة الأمنية والقضائية، نهاية شهر مايو 2021م، وضمت مقتنيات ذهبية وأوسمة ونياشين وصناديق مرصعة بالمجوهرات.

الحكم الصادم والمفاجئ والمتوقع في ذات الوقع صدر من الدائرة الأولى بمحكمة الأمور المستعجلة، بعدما تقدم مالك الشقة القاضي أحمد عبد الفتاح حسن بإشكال مستعجل أمام المحكمة، واختصم فيه 3 أشخاص، وهم كل من شقيق زوجته خالد محمد حامد، ونجله كريم أحمد عبد الفتاح، ومعاون أول تنفيذ بمحكمة جنوب القاهرة.

وطالب عبد الفتاح، في الإشكال الذي تقدم به محاميه الخاص، بوقف تنفيذ الحكم الصادر من محكمة استئناف القاهرة في يناير 2020 ضد نجله "كريم"، والذي نصّ على أن يدفع لخاله "خالد" مبلغاً يتجاوز 10 ملايين جنيه، والفوائد القانونية بواقع 4 في المائة من تاريخ يوليو 2015، وحتى يناير 2020.

وأضاف عبد الفتاح في الإشكال أن إجراءات تنفيذ الحكم جاءت مجحفة بحقه، حيث تم كسر العين التي يمتلكها "شقة الزمالك" لاتخاذ إجراءات الحجز على المنقولات التي بها، بزعم أنها مملوكة لنجله كريم، وذلك على خلاف الحقيقة، فضلا عن كونه ليس طرفا في النزاع. وقال الحكم إن التنفيذ تم بالمخالفة للقانون، فيما لم يتعرض لمقتنيات الشقة التي تم العثور عليها، والتي لا تزال قيد الجرد من قبل الجهات الأمنية والقضائية المختصة.

 

السيسي في ورطة

المفاجئ في الموضوع أن رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وجد نفسه في ورطة بعد هذا القرار القضائي؛ لأنه كان قد تعجل بتوجيه الشكر للقضاة و موظفي إدارة تنفيذ الأحكام في محكمة جنوب القاهرة، لـ"جهودهم في ضبط إحدى القضايا"، التي قال بيان انقلابي رسمي إنها "مهمة وسيعلن عن تفاصيلها بعد الانتهاء من كافة الإجراءات".

وفي أعقاب انفجار فضيحة "شقة الزمالك" أصدر المستشار بالمحكمة الدستورية في الكويت أحمد عبد الفتاح حسن بياناً  اعترف فيه بملكية كل التحف والآثار التي عثر عليها بالشقة. وبحسب البيان الذي نشرته صحيفة "الأنباء" الكويتية" فإن المستشار أكد أن  الشقة ملك له ولحرمه وأن جميع المقتنيات الموجودة بها مملوكة بالكامل لهما، ولا صلة لابنه کریم بها ولا يوجد في الشقة أي منقولات أو أثاث خاصة به".

وبرر القاضي اقتنائه كل هذه التحف والآثار بأنه من عائلة عريقة وأنه من جيل جهابذة القضاء الإداري والدستوري، فالعائلة العريقة التي ينتمي إليها وما توارثه منها من أملاك ومقتنيات لا تدع مجالاً للشك في مشروعية ما يحوزه ويحتفظ به من مقتنيات، سواء كانت ترجع إلى العصر الملكي أو غيره، فضلاً عن أن المعروف عنه لدى جميع معارفه وأصدقائه أنه يهوى جمع التحف الفنية والمجوهرات، ويتابع بشغف الدراسات الفنية حولها منذ صغره، ولديه خبرة كبيرة في المجالات الفنية".

وأضاف أنّ "الأوسمة والنياشين تخصّ الأسرة، أما المقتنيات الملكية فمعظمها متوارث من الأسرة، وبعضها اشتراه من مزادات أقامتها الدولة في الأزمنة السابقة بطريقة رسمية أو ممن اشتراها بهذا الطريق، ثم قام ببيعها بعد ذلك دون حظر على بيعها، وكذلك المجوهرات والمشغولات الذهبية والفضية واللوحات الفنية وغيرها".

ويتجه قضاة نحو دعم المستشار صاحب الشقة متهمين أجهزة السيسي الأمنية بالفشل في التحريات الأمنية استناد على أن ضابط تنفيذ الأحكام الذي قام بالضبطية، "تصور أن المقتنيات التي كانت بالشقة هي آثار غير مصرّح بتداولها".

وتنقل صحيفة "العربي الجديد" اللندنية عن مصادرها الخاصة أن الأمر نفسه تكرّر مع وزير العدل المستشار عمر مروان، الذي تسرّع في إبلاغ رئاسة الجمهورية بالواقعة من دون الإلمام بجميع أبعاد القضية، وهو ما تسبّب في ورطة لمؤسسة الرئاسة التي سارعت بشكر القضاة و"تنفيذ الأحكام" على القضية من دون اكتمالها.

 

مافيا التهريب تحكم مصر

وبحسب مراقبين فإن مافيا تهريب الآثار تحكم مصر من الألف إلى الياء؛ وفي منتصف 2018م أعلنت شرطة مدينة نابولي الإيطالية ضبط 23 ألفا و700 قطعة أثرية من بينها 118 قطعة مصرية مهربة في حاوية دبلوماسية قادمة من ميناء الإسكندرية إلى ميناء ساليرنو جنوبي إيطاليا؛ الأمر الذي برهن على أن تهريب الآثار يتم عبر الطرق والحقائب الدبلوماسية أو بدعوى أنها شحنات خاصة بالجيش وبالتالي يتم التهريب جهارا تحت أعين أجهزة الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية.

Facebook Comments