تجري أجهزة الديكتاتور عبدالفتاح السيسي، زعيم الانقلاب العسكري، حاليا اتصالات مكثفة مع إدارة الرئيس الأمريكي جوبايدن بشأن الاستطلاع حول موقف الخارجية الأمريكية من الإفراج عن “300” مليون دولار جمدتها واشنطن ورهنت تسليمها لنظام السيسي بمدى تحسين الملف الحقوقي في مصر. المبلغ المذكور كان قد جرى تجميد تسليمه للقاهرة بقرار من وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ورهن الإفراج عنه  بناء على التطورات التي يراها في تعامل سلطات الانقلاب المصرية مع ملف حقوق الإنسان والمجال العام.

وبحسب صحيفة “العربي الجديد” اللندنية، فإنه من المقرر أن يعلن بلينكن قراره في هذا الشأن نهاية سبتمبر المقبل، وسط ضغوط من دوائر ديمقراطية عدة وأعضاء بالكونجرس لتأجيل صرف هذا المبلغ، نظرا لعدم إحراز نظام الانقلاب المصري أي تقدم في المجالات المرصودة على الصعيد الداخلي، بالإضافة إلى الإيفاء بالتعهدات السابقة من الرئيس الأمريكي جو بايدن بعدم التعامل برفق مع الأنظمة القمعية، ونشر القيم الديمقراطية، خلال حملته للترشح للرئاسة الأمريكية.

محاولات أجهزة السيسي حاليا (المخابرات ــ الخارجية) تعتبر المحطة الثانية التي يثار فيه الجدل بشأن استحقاق نظام 30 يوليو للمعونة الأمريكية الكاملة التي تصل إلى “1.3” مليار دولار سنويا. وذلك بعد موافقة بايدن أخيرا على منح مساعدات بقيمة 410 ملايين دولار تقريبا في الآونة الأخيرة. وهي مساعدات أُحيطت بجدل كبير داخل البيت الأبيض وبين قيادات الحزب الديمقراطي، الذين عمل بعضهم في المقابل على اتخاذ بعض الإجراءات التي تؤكد عدم قبول واشنطن لما يمكن وصفه بـ”التلاعب المصري” بهذا الملف، و”ادعاء الاستجابة” لكل المناشدات الأمريكية.

 

الجيش في قبضة الأمريكان 

ومنذ اتفاقية كامب ديفيد في مارس 1979م تقدم الولايات المتحدة الأمريكية مساعدات لمصر تقدر بنحو “2.1” مليار دولار سنويا (1.3 مليارا كمساعدت عسكرية للجيش و800 مليون دولار مساعدات مدنية للشعب) لكن الإدارة الأمريكية منذ عدة سنوات ألغت المساعدات المدنية وأبقت فقط على المساعدات العسكرية. ويرى فريق من المحللين والخبراء أن هذه المساعدات العسكرية هي بمثابة رشاوي لكبار الجنرالات تصرف لهم تحت بند “بدل ولاء”؛ وهو ما يمكِّن واشنطن من تحقيق اختراقات كبيرة في صفوف الجيش المصري حتى تحول إلى أداة توظفها الإدارة الأمريكية إلى خدمة مصالحها في مصر والمنطقة وعلى رأسها حماية أمن الكيان الصهيوني من خلال وأد أي توجهات نحو الإسلام أو الديمقراطية لأن ذلك معناه استرداد الشعب لسيادته واستقلاله وتحرير قراره الوطني السيادي. وهو ما تجلى بشكل فج في انقلاب 3 يوليو 2013م، حيث أشرف وزير الدفاع الأمريكي وقتها تشاك هيجل على كافة خطوات الانقلاب، وكان على اتصال دائم بالسيسي عبر مكالمات هاتفية يومية استغرق بعضها ساعات وذلك قبل أسابيع من الانقلاب المشئوم بحسب مدير مكتب صحيفة النيويورك تايمز في القاهرة “كير كيباتريك” في كتابه “بين أيدي العسكر”.

 

ديمقراطيون ضد السيسي

وبحسب التقرير فإن الفريق المتشدد داخل الإدارة الأمريكية أحكم قبضته على إدارة ملف المعونة الأمريكية لنظام لسيسي وذلك من خلال تعيين تامارا كوفمان ويتس، مساعدة لرئيسة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لشؤون الشرق الأوسط، وهي التي عملت سابقا في مكاتب الشرق الأدنى والشرق الأوسط بالخارجية الأمريكية في فترة الربيع العربي، وصاحبة باع طويل في مناهضة سياسات النظام المصري بعد انقلاب يوليو 2013. وكان الإعلام الموالي للنظام يركز على كتاباتها في نهاية حكم الرئيس الأسبق باراك أوباما، للإشارة إلى دعم إدارته المزعوم لجماعة الإخوان المسلمين. مع الوضع في الاعتبار أن رئيسة الوكالة نفسها سامانثا باور، عُرفت بمواقفها المعارضة لسياسات السيسي في فترة تمثيلها الولايات المتحدة بمجلس الأمن وبعدها، وتركيزها على ربط المساعدات لكل الدول بالديمقراطية وتداول السلطة، لكن كل هذا لم يؤثر سلبا على العلاقات المصرية الأمريكية حتى الآن.

 

الملف الفلسطيني

الاتصالات الأخيرة بين القاهرة وواشنطن شهدت تأكيدا على ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات البارزة في الملف الحقوقي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وذلك لتخفيف الضغوط التي ستتعرض لها الإدارة الأمريكية، وفي نفس الوقت شهدت رسائل طمأنة باستمرار صرف المعونة كاملة من دون حجز أجزاء منها، وذلك مقابل إسهامات القاهرة في نجاح الخطة التي ترى إدارة بايدن ضرورة تفعيلها في الشرق الأوسط، وترتكز في جزء منها على وساطة مصر القوية في عملية السلام، وتقاربها المستمر مع الاحتلال الإسرائيلي.

وثمة جناح في الإدارة الأمريكية ينصح نظام السيسي بضرورة العمل على تحسين الملف الحقوق حتى يتم صرف المساعدات كاملة، وأولها ضرورة إغلاق قضية التمويل الأجنبي للمجتمع المدني المعروفة برقم 173 لسنة 2011 والإفراج عن عدد من المعتقلين البارزين، والإسراع في إعلان استراتيجية حقوق الإنسان على المستوى الوطني، لكن سلطات الانقلاب تتحفظ على تلبية كل هذه المطالب جملة واحدة.

وكان بايدن قد انتقد سابقا أوضاع المعتقلين في مصر، فوجه إدانة لوفاة المواطن الأمريكي من أصل مصري مصطفى قاسم في سجنه مطلع العام الماضي، منتقدا تخاذل إدارة ترامب في التعامل مع تلك القضية. ثم عاد في تغريدة شهيرة في يوليو 2020 لشنّ هجوم مزدوج على الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والسيسي، فحمّل الأول مسؤولية اعتقال الشاب محمد عماشة لمدة 468 يوماً في السجون المصرية قبل الإفراج عنه بضغط أمريكي، ومن جهة ثانية هدد بالتعامل بشكل مختلف مع السيسي حال فوزه بالرئاسة بقوله: “لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل”.

 

Facebook Comments