مازال الفشل العنوان الأبرز لسياسات ومواقف مصر بشأن سد النهضة، وسط تشدد إثيوبي وتعنت حتى في إمداد دولتي المصب بأيّة بيانات عن التخزين وكميات المياه المُخزّنة.

ومع عجز السيسي ونظامه في ردع إثيوبيا أو إقناعها للعودة لطاولة المفاوضات غير المشروطة، أطلقت أديس أبابا جهودها مُتحدية مصر والسودان، نحو الملء الثالث لسد النهضة. حيث تقوم إثيوبيا بإجراء عدة أنشطة إنشائية في السد، بعد توقف دام نحو خمسة أسابيع في ظل تراجع كميات المياه الواردة من بحيرة تانا، مع استمرار تدفق المياه من الممر الأوسط،، وتأتي هذه الإنشاءات في إطار الاستعداد للملء الثالث، برفع وتبطين حدود الخزان غير المعرضة حاليا للمياه، بالإضافة إلى الاستعداد للتشغيل التجريبي لمولدات الكهرباء.

ومع عجز  نظام الانقلاب المصري المتضرر الأكبر  من سد النهضة، بدأت إسرائيل تلوّح من بعيد بقدرتها على التدخل لدى إثيوبيا فيما يخص  سد النهضة، التلويح الإسرائيلي جاء بدعم أمريكي، لإعادة هيكلة المنطقة وفق المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية.

وجاء توقيت تلويح إسرائيل بدور لها في سد النهضة في وقت تكاد تختنق فيه مصر من التعنت الإثيوبي، والعجز العسكري والسياسي القاتل لملايين المصريين، ما يسهل تمرير اشتراطات إسرائيل وأمريكا، والتي بدت ترجمتها في  التطبيع بين جميع دول المنطقة وإسرائيل، على أن تكون البداية من السودان، فيما هناك اشترطات سرية قد تكون من ضمنها تمرير كميات من مياه النيل إلى صحراء النقب الفلسطينية التي تحتلها، والتي تمثل حلما طال انتظاره من قبل تل أبيب لتنمية وزراعة المنطقة.

في هذا السياق، كشفت مصادر دبلوماسية مصرية، أن "الزيارة المفاجئة التي أجراها مدير المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل، منذ ثلاثة أيام إلى الخرطوم، كانت في إطار تدعيم أحد مسارات الوساطة المحتملة في القضية، وهو المسار الذي تطرحه إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة، بحيث يكون للجانبين دور فعال خلال الفترة المقبلة، لمنع إيقاع أي ضرر بدولتي المصب جراء سد النهضة، خصوصا السودان الذي سيكون المتضرر الأكبر من أي مشكلة إنشائية قد تطرأ على السد، كما وأنه يتضرر من حالة عدم وضوح الرؤية وغياب التنسيق القائم حاليا بسبب التعنت الإثيوبي".

وذكرت المصادر أن "الاتصالات الأخيرة، قبل زيارة كامل، حملت إشارات لحرص الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي على تطوير علاقات الأخيرة مع السودان، كجزء من المشهد الجديد الذي يريد البيت الأبيض حاليا رسمه للشرق الأوسط. ويكرر الرئيس الأميركي جو بايدن في ذلك مساعي إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، والتي بُذلت العام الماضي بوساطات إماراتية وسعودية أسفرت بالفعل عن بعض الزيارات الإسرائيلية للسودان، وإجراء اتصالات متقدمة على مستويات عسكرية، واستخباراتية واقتصادية بمباركة من المُكوّن العسكري في السلطة، رغما عن التحفظ الحكومي الشكلي من رئيس الوزراء عبدالله حمدوك. لكن الاتصالات هذه المرة تُجرى في الأساس بالاشتراك مع مصر، والتي ترغب في تدعيم صورتها كحليف يُعتمد عليه، وساعد قوي لإدارة بايدن في المنطقة، كبديل عن الدولتين الخليجيتين. وتعتقد دائرة عبدالفتاح السيسي، أن دخولها على خط الاتصالات بين الخرطوم ودولة الاحتلال سيمكنها من الإمساك بزمام المبادرة في العلاقة، بحيث يتم التركيز على مجالات مفيدة للأطراف الثلاثة، اقتصاديا وأمنيا، وللحصول على ما يمكن التوصل إليه من تنازلات إثيوبية في ملف سد النهضة، بعيدا عن التعاون العسكري المباشر".

وحول ما يمكن لإسرائيل تقديمه في ملف سد النهضة تحديدا، في ظل إعلان مسؤوليها المتكرر عن دعم إثيوبيا ومشروع السد، فالاتصالات لم تكشف حتى الآن شكلا محددا للوساطة، لكن واشنطن تدعم تدخل حكومة نفتالي بينت للتقريب بين وجهات النظر، من منظور التوتر القائم بينها وبين أديس أبابا، وأن بينت قد يكون مقبولا للتعامل مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد حاليا بصورة أكبر من المسؤولين الأمريكيين.

وعلى صعيد آخر، فإن ملف سد النهضة يشهد حاليا جهودا مشتركة بين مصر والسودان وتونس لإعادة تجميع الوساطات، وتكثيف الاتصالات على الصعيد الدولي وداخل مجلس الأمن، لحمل إثيوبيا على العودة غير المشروطة لطاولة المفاوضات، تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، أو بمشاركته مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وسط تعنت إثيوبي بدعم من روسيا والصين ومساندة من أكبر الدول العربية المستثمرة في سد النهة ، الإمارات والسعودية.

وذكرت المصادر أن "مصر تعي جيدا أن السودان يمثل مصدر اهتمام للسعودية والإمارات ودولة الاحتلال، بسبب احتياجاته المتزايدة للمساعدات في جميع المجالات لإعادة تأهيل المرافق والخدمات والسدود وشبكات المياه والصرف الصحي، وتنمية فرص الاستثمار، خاصة في المجالات الزراعية والإنتاج الحيواني بعد إنشاء سد النهضة، والذي سينعكس بالإيجاب على قدرات السودان الزراعية وسيمكنه من وضع خطة مستدامة لري الأراضي طوال العام، إذا تحقق التكامل بين أكبر سد في القارة الأفريقية والسدود السودانية المحلية، التي تسعى الحكومة لزيادة طاقتها الاستيعابية وترميمها، لا سيما بعد الفيضان الذي عانت منه البلاد العام الماضي. وبالتالي تركز الجهود المصرية على توجيه الاتصالات في هذا الصدد إلى الملفات التنموية التي يسهل للقاهرة الدخول فيها كشريك، أو بصورة لصيقة ومباشرة مثل التعاون الزراعي والتكامل الكهربائي، فضلا عن المشروعات التي سبق النقاش حولها، العام الماضي في مجال الطاقة واستكشاف إمكانات المناطق الاقتصادية بالبحر الأحمر.

ويوما تلو الآخر تتكسف خيوط المؤامرة المنصوبة على مصر من قبل إسرائيل وأمريكا ودول عربية وإفريقية لشد الأطراف حول أعناق مصر، للتسليم وتقديم تنازلات مستهدفة أمريكيا وإسرائيليا ترفضها الشعوب العربية، وتتواطأ النظم الخائنة لتمريرها، سواء بتسليم إسرائيل  سيناء كمنطقة إستراتيجية تديرها خلف ستار لضمان مرور مياة النيل لإسرائيل.وهو ما يمثل قمة الخيانة من قبل نظام العسكر في مصر ويبقى ما لم يكشف عنه هو الأسوأ.

Facebook Comments