إذا ما قُورن سجن "جلبوع" الصهيوني بسجن العقرب في مصر، فلا سجون في كل هذا العالم يمكن أن تقارن بسجون الطاغية السفاح السيسي، لأنه في تلك السجون يتم التعذيب والاغتصاب والتصفية الجسدية، بل إن الأمر يتعدى ليصل إلى أقرباء السجين حيث يحضرون في الزيارات ليشهدوا شبح إنسان تم تعذيبه واغتصابه، سعيا من عصابة الانقلاب لترويع كل فرد من أفراد الشعب وابتزازه، ومن لم يدخل أحد سجون العسكر بمصر لا يعرف المعنى الحقيقي لـ "مقبرة الأحياء".
شكلت الساعة الواحدة والنصف من فجر الاثنين 6 سبتمبر 2021 مرحلة فاصلة في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة في المعركة التي تخوضها مع سلطات سجون الاحتلال الصهيوني؛ وذلك حين نجح 6 أسرى في انتزاع حريتهم والهرب من عمق الأرض من سجن "جبلوع" قرب بيسان.

كواليس الهروب
أقرّت سلطة السجون الصهيونية واعترفت بأول الإخفاقات حين تم وضع 6 أسرى من جنين في غرفة مشتركة، وذلك خلافا للإجراءات المعمول بها، حسب ما أفادت صحيفة يديعوت أحرونوت التي أكدت أنه كان يحظر وضع الأسرى معا في زنزانة واحدة.
وأظهرت المعلومات بشأن كواليس عملية الهروب والتفاصيل التي سُمح بالكشف عنها أن الأسرى الستة تمكنوا من الهرب عبر خط المجاري الموجود بجوار زنزانتهم، وأنهم هربوا بواسطة فتحة اكتشفت أسفل المرحاض، وخرجوا منها باتجاه المنطقة الجنوبية من سجن "جلبوع"، وهي المنطقة المؤدية إلى السهول والأحراش.
وخرج إعلام السفاح السيسي ساخرا من طريقة الصهاينة في سجن واعتقال الأسرى، مقارنة بتجربة العسكر في مصر والتي نهايتها أن يخرج السجين عاجزا إلى المستشفى أو محمولا إلى قبره، وقال الخبير العسكري اللواء سمير راغب في حديث عن فرار الأسرى الفلسطينيين من سجن "جلبوع" إن "الاحتلال لم يحقق انتصارا حقيقيا في مواجهة فصائل مقاومة، لا على المستوى الاستخباراتي أو المواجهة العسكرية أو الردع المعنوي".
وأضاف الخبير السيساوي أن "قضية هروب الأسرى الفلسطينيين تعكس الافتقار لأبسط قواعد تأمين السجون العادية، فما بالك بالسجون شديدة التحصين".
وعرض تجربة الانقلاب العسكري بمصر في قمع وإذلال المعتقلين، قائلا "من المفترض أن تخضع الزنازين للتفتيش الدوري الدقيق والمستمر الذي يمنع وجود أدوات قد تستخدم كسلاح أو للحفر، ثانيا من المفترض تدوير المساجين على أجنحة مختلفة وزنازين متغيرة، مع عدم إبقاء نفس المجاميع لفترة طويلة".
مضيفا "من المفترض أن نطاق الأمن للسجون يمتد لخارج الأسوار لمسافة تسمح بكشف أي محاولة للخروج أو الدخول غير الشرعي، وبحيث تتواجد في هذه المنطقة الدوريات الراكبة والسيارة وأجهزة المراقبة والإنذار الإلكتروني والبصري وأجهزة الرؤية الليلية".
وقال راغب ناصحا حلفاء الانقلاب بتل أبيب "من المفترض أن تكون هناك خطة لغلق المحاور المرورية في حالة اكتشاف هروب مساجين، وتواجد عربات في نقطة الخروج يعني أنه لا وجود لأبراج مراقبة أو كاميرات أو خدمات، وعدم الكشف عن الهروب ساعة تاريخه يعني نظام أمن مترهل أو لا تتوفر فيه أبسط قواعد الأمن داخل السجون".
وأشار الخبير السيساوي إلى أن "عدم التوصل لجهة هروب المساجين يعني غياب عناصر الأمن خارج السجن، لأن من المفترض وجود كاميرات المراقبة بالشوارع يمكن من خلالها تتبع مسار الهروب ما بعد اختراق نظام الأمن في السجن".

 

سجون السيسي
وحازت سجون الانقلاب العسكري ألقابا عديدة، أطلقها عليها معتقلون نشطاء أو منظمات حقوقية، التركيز فيها يذكر بمآساة حقيقية تعد جريمة إبادة متعمدة تمارسها عصابة الانقلاب بحق السجناء سواء المعتقلين على ذمة قضايا رأي أو قضايا جنائية.
الحياة في السجون سُميت بـ "الموت البطئ" وحازت أساليب إدارات السجون في التعامل مع المحتجزين لديها على لقب "حاصد الأرواح" أما السجون ذاتها فكانت من أبرز ألقابها "عنابر الموت" و"مقابر الأحياء" ولن تجد مبالغة في تلك الألقاب حين تتعرف على المآسي التي واجهها السجناء داخل السجون التي أفضت بحياة وصحة وعمر آلاف.
وأصدرت مبادرة دفتر أحوال للأرشفة والتوثيق والأبحاث في إحصاءاتها إلى أنه كل يومين تقريبا تقع حالة وفاة جديدة داخل سجون الانقلاب، ومنذ ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وحتى نهاية أبريل 2016 المنصرم، بعد تسجيل المبادرة نحو 834 حالة وفاة داخل أماكن الاحتجاز المصرية، موزعين على نحو 204 مكان احتجاز.
وغالبا ما تخالف رواية الانقلاب الروايات التي تصدر عن أسر الضحايا أو الجهات الحقوقية أو غيرها، ورغم ذلك فقد تحدثت الروايات الرسمية للانقلاب عن وجود شبهات جنائية في وفاة كثير من الضحايا داخل أماكن الاحتجاز، والنموذجين الغالبين لتلك الشبهة يكون إما بالإهمال الطبي أو التعذيب.
وبحسب إحصائية مبادرة دفتر أحوال للأرشفة والتوثيق والأبحاث، فإن نحو 29% من المتوفين كانوا مرضى بأمراض السرطان والقلب والكبد والمخ، وكذلك أمراض السكر والضغط والشيخوخة والأمراض الصدرية.
وبحسب منظمات حقوقية متابعة لأوضاع السجون، فيوجد أكثر من 5000 معتقل يحتاجون لتوفير رعاية صحية عاجلة، وبحسب متابعات المبادرة للأوضاع الإنسانية في السجون فهناك مئات الأشخاص وربما آلاف قد تدهورت أوضاعهم الصحية داخل السجون بشكل واضح.

أشباح بشرية
صور المعتقلين المصريين التي تُلتقط لهم بعد شهور من الاعتقال هي أبسط دليل على تردي أوضاعهم الصحية داخل سجون الانقلاب، حيث يظهرون فيها بجلد باهت اللون على عظم وشعر شائب وأجساد هزيلة تتساند كي تستطيع الوقوف، فبعض المعتقلين أصيبوا بأمراض جلدية وصدرية نتيجة تكدس عشرات الأشخاص في الزنزانة الواحدة التي غالبا لا يكون بها مصدر للتهوية، مع منعهم من التريض والخروج للشمس واستنشاق الهواء.
كما أنه جراء الطعام والمياه الملوثين ويقدمون بكميات قليلة تنقصها فيتامينات أساسية لنمو الجسد والعظام، بالإضافة إلى إصابة معتقلين بأمراض هشاشة العظام والفشل الكلوي وأمراض الكبد والقلب والسرطان والنقرس وضغط الدم وغيرها، وأدت بعض هذه الأمراض لإصابة معتقلين بالعمى والشلل وبتر الأطراف.

Facebook Comments