القرار الذي انتهت إليه إدارة الرئيس الأمريكي جوبايدن باقتطاع 130 مليون دولار فقط من المساعدات السنوية التي تقدمها واشنطن للنظام العسكري في مصر، قوبل بانتقادات واسعة واعتبره كثيرمن الحقوقيين استمرارا لسياسات "الشيك على بياض" لنظام الطاغية عبدالفتاح السيسي من أجل المزيد من الانتهاكات والقمع والبطش الذي لا يتوقف منذ انقلاب 3 يوليو 2013م.

وكانت عدة تقارير إعلامية أميركية (والواشنطن بوستــ بوليتيكو) قد كشف أن إدارة بايدن تتجه نحو معاقبة نظام الانقلاب المصري على استحياء؛ وذلك بفرض شروط جديدة على مبلغ 300 مليون دولار من حجم المعونة العسكرية المقدمة من الولايات المتحدة لمصر سنويًا بإجمالي 1.3 مليار دولار، وذلك بسبب الاتهامات التي تلاحق الحكومة المصرية في ملف حقوق الإنسان. وبحسب الصحيفة، قال مسؤولون بوزارة الخارجية الأمريكية والكونجرس على صلة بملف المعونة، إن قرار الإدارة انتهى إلى تقديم 170 مليون دولار من الـ300 مليون دولار، بينما ترهن الـ 130 مليون دولار المتبقية بإنهاء ملف قضية منظمات المجتمع المدني، والمعروفة باسم القضية 173، بالإضافة إلى إسقاط التهم الموجهة ضد 16 شخصًا والإفراج عنهم، وهي الأسماء التي حددتها الولايات المتحدة ورفعتها إلى القاهرة في يونيو الماضي. وبحسب صحيفة "بوليتيكو" الأميركية فإن مبلغ الـ 170 مليونا سيكون موجها لدعم أنشطة مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود.

 

انتقادات سياسية وحقوقية

على المستوى السياسي، أصدر عضو الكونجرس، كريس مورفي، رئيس اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بيانا انتقد  فيه قرار إدارة بايدن باستمرار المساعدات الأمريكية إلى نظام الانقلاب في مصر على الرغم من ملف حقوق الإنسان، وصفًا قرار الإدارة بأنه فرصة كبيرة ضائعة للتعامل مع ملف أجل حقوق الإنسان في مصر.

وأضاف مورفي «كان أمام مصر ما يقرب من عامين لتلبية التحسينات في مجال حقوق الإنسان التي طلبها الكونجرس، لكن الوضع على الأرض في مصر قد ازداد سوءًا، فلا توجد مساحة تقريبًا للمعارضة، ولا يزال 60 ألف سجين سياسي محتجزين، وقد شددت الدولة في مصر قبضتها على المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام».

وينقل موقع "مدى مصر" عن سيث بيندر، مدير المناصرة في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، قوله إن قرار إدارة بايدن هو «خيانة» لالتزامها المعلن بالتركيز على أوضاع حقوق الإنسان في علاقاتها مع مصر، مضيفًا أن إدارة بايدن تهربت من شروط حقوق الإنسان التي فرضها الكونجرس باستخدام مادة غامضة لم يتم استخدامها من قبل في القانون.

وعلى المستوى الحقوقي، انتقدت عدة منظمات حقوقية تتابع الملف المصري قرار الإدارة الأمريكية، وأصدرت نحو 14 منظمة حقوقية بيانا أكدت فيه أن إدارة بايدن لم تكن صادقة «من خلال الإفراج الفوري عن 170 مليون دولار وحجب 130 مليون دولار المتبقية مؤقتًا، تتجنب الإدارة نية الكونجرس، الذي أقر تشريعًا ينص بوضوح على أنه يجب حجب 300 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية حتى تتخذ مصر خطوات لتعزيز سيادة القانون، تنفيذ الإصلاحات التي تحمي الحريات الأساسية، ومحاسبة قوات الأمن المصرية».

ووقعت على البيان لجنة العدل (CFJ)، لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، الديمقراطية من أجل العالم العربي الآن (DAWN)، الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، المنتدى المصري لحقوق الإنسان، EuroMed Rights، مبادرة الحرية، حقوق الإنسان أولاً، الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH)، الخدمة الدولية لحقوق الإنسان، مجموعة حقوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، PEN America، مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (POMED) ومعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP). ودعت الجماعات الكونجرس الأمريكي للضغط على بايدن لعدم تكرار مثل هذا القرار في المستقبل والقول إن القرار ينتهك نية الكونجرس ويهدد حقوق الإنسان للمصريين ويزيد من إضعاف موقف الولايات المتحدة بشأن قضايا الحقوق.

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد أصدرت تقريرًا في 7 سبتمبر 2021م، دعت فيه شركاء مصر الدوليين إلى جعل المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة للبلاد مشروطة بوقف انتهاكات حقوق الإنسان.

وبحسب " مدى مصر" فإن مصدرا حكوميا كان قد كشف في تصريحات سابقة للموقع أن حكومة السيسي تتجه نحو إغلاق ملف القضية 173 لسنة 2011، والمعروفة باسم «قضية منظمات المجتمع المدني» وأن هذا التوجه بات محل توافق من المؤسسات السياسية واﻷمنية، ولا ينتظر أكثر من «قرار سياسي»، وذلك بعد استئناف التحقيقات في القضية عقب انقطاع طويل.

وكان قاضي التحقيق المنتدب للتحقيق في قضية منظمات المجتمع المدني، المستشار علي مختار، أعلن في 30 أغسطس 2021م، أنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضد أربعة متهمين في القضية، لعدم كفاية الأدلة، وأمر برفع أسمائهم من قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول، وقوائم المنع من التصرف في أموالهم، وهم: نجاد البرعي، مدير المجموعة المتحدة، وعزة سليمان، مؤسِسة «محامون من أجل العدالة والسلام»، ومجدي عبد الحميد، رئيس الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية، وحسام الدين علي، مدير المعهد المصري الديمقراطي، وإسراء عبد الفتّاح، مديرة المشاريع السابقة بالمعهد، وذلك «فيما يخص ما تضمنه القرار من وقائع فحسب دون مساس بأي وقائع أخرى قد تكون محلًا للتحقيق سواء في القضية الماثلة أو غيرها من القضايا».

وعلق الكونجرس اﻷمريكي، في ديسمبر 2020م، 75 مليون دولار من المعونة العسكرية المقدمة لمصر، مشترطًا اتخاذ الحكومة المصرية إجراءات واضحة ومستمرة للإفراج عن السجناء السياسيين، وتمكين المحتجزين من الحصول على محاكمة عادلة، وهو اشتراط يحدث للمرة الأولى بهذا الشكل. فيما علّق الكونجرس تحويل 225 مليون دولار من المساعدات، بشرط اتخاذ الحكومة المصرية إجراءات لتعزيز سيادة القانون، والمؤسسات الديمقراطية، وحقوق الإنسان غير أن قانون الميزانية أتاح إمكانية إعفاء «القاهرة» من هذه الشروط أو بعضها، بقرار من الخارجية الأمريكية إذا ما كان ذلك لـ«مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة»، مع ضرورة تقديم تقرير يشرح أسباب ذلك الإعفاء. لكن بايدن اكتفى بحجز 130 مليون دولار لأنه يحتاج إلى نظام السيسي في ملف فلسطين وحماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية في مصر والمنطقة، فمنح ــ كما هو متوقع ــ الأولوية للمصالح على حساب القيم الديمقراطية والحقوقية التي يتشدقون بها ليل نهار.

Facebook Comments