وثقت منظمة العفو الدولية في تقرير موجز جديد بعنوان "اللي بيحصل ده هيخلص لما تموتي" توظيف نظام الانقلاب جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني) نمطا مُحكما من الاستدعاءات المتكررة والاستجوابات القسرية والمتابعة غير القانونية، لمضايقة وترهيب المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء سياسيين لإسكاتهم، ما يؤدي إلى تدمير حياتهم.
ووثقت المنظمة أيضا أنه "بعد الإفراج عنهم من الاحتجاز التعسفي، يُرغم النشطاء على التوجه إلى مراكز قطاع الأمن الوطني بانتظام  في ما يعرف ب"المتابعة"، ويخضعون للاستجواب والتهديد بالاحتجاز إذا باشروا عملهم الحقوقي أو أنشطتهم، ما يرميهم في خوف دائم ويرغمهم على الرحيل من مصر أو ممارسة الرقابة الذاتية".
وقالت المنظمة مخاطبة قائد الانقلاب إنه "حان الوقت لأن يضع  السيسي حدا لمضايقة قطاع الأمن الوطني للمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من النشطاء، وأن يصون حقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، وأن يأمر قطاع الأمن الوطني بوقف استدعاءات ومتابعة النشطاء غير القانونية".

السكوت هدف
قالت منظمة العفو الدولية في تقرير موجز جديد إن "قطاع الأمن الوطني في مصر وهو جهاز متخصص في ضبط القضايا السياسية وتلك المتعلقة بالإرهاب، يستخدم بشكل متزايد نمطا مُحكما من الاستدعاءات غير القانونية والاستجوابات القسرية، التي ترقى إلى المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فضلا عن إجراءات المتابعة والمراقبة المُفرطة ضد مدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء سياسيين، في محاولة لمضايقتهم وترهيبهم بهدف إسكاتهم، ما يؤدي إلى تدمير حياتهم".
ووثق التقرير الموجز، كيف استخدم قطاع الأمن الوطني هذه الإجراءات للتحكم بحياة 21 رجلا وتسع سيدات بين عامي 2020 و2021 وقال النشطاء والمدافعون عن حقوق الإنسان إن "ضباط قطاع الأمن الوطني دأبوا على تهديدهم في كل استدعاء بالقبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة ما لم يحضروا جلسات الاستجواب، وإن الضباط داهموا منازل مَن امتنعوا عن الحضور".
واضافت أن "ما لا يقل عن 20 من الضحايا، يعيشون في خوف دائم من الاحتجاز على أيدي ضباط قطاع الأمن الوطني، ما يرميهم في حالة من القلق والاكتئاب ويحرمهم من حقوق أساسية، ويعيق بشدة قدرتهم على أن يعيشوا حياة طبيعية، ونتيجة لذلك يشعر كثيرون منهم بالخوف الشديد من التعبير عن آرائهم أو المشاركة في أنشطة سياسية، بينما اضطر البعض إلى مغادرة البلاد".

قمع حقوق الإنسان
ويتزامن التقرير مع إطلاق  المنقلب السفاح السيسي ما يسمى بـ"الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" حيث قال فيليب لوثر مدير البحوث وكسب التأييد للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية إن “الأسلوب الجديد الذي يستخدمه قطاع الأمن الوطني في ترهيب ومضايقة نشطاء ومحامين وعاملين في منظمات غير حكومية بشكل متواصل، يدمّر حياتهم فهو يحرمهم من العمل أو السفر ويرميهم في خوف دائم من القبض عليهم".

وتكشف أسئلة وتهديدات مسؤولي قطاع الأمن الوطني عن هدف واضح وهو قمع أنشطة حقوق الإنسان والأنشطة السياسية.
وأوضح أن "هذا هو مثال آخر على إساءة استخدام السلطة من جانب ضباط قطاع الأمن الوطني، ما يؤدي إلى حرمان صارخ من الحريات وحقوق الإنسان الأساسية وقد أثبت الإفلات من العقاب عن انتهاكات قطاع الأمن الوطني على مر السنين غياب إرادة سياسية، لإنهاء تلك الممارسات المسيئة. ولهذا السبب، تطالب منظمة العفو الدولية الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بأن تدعم على وجه السرعة إنشاء آلية لرصد وضع حقوق الإنسان في مصر ورفع تقارير عنه".

انتهاك عابر للقوانين
واشارت المنظمة إلى أن "الإجراءات التي يتخذها قطاع الأمن الوطني، بدون أوامر قضائية أو أسس قانونية، انتهاك للقانون الدولي والمعايير الدولية، وكذلك لأحكام الدستور وقانون الإجراءات الجنائية المصريين".
وأوضحت أن ضباط قطاع الأمن الوطني دأبوا على استجواب الأشخاص الذين تم استدعاؤهم عن أنشطتهم المتعلقة بحقوق الإنسان، أو أنشطتهم وآرائهم السياسية، بما فيها تلك التي يُعبرون عنها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عن أنشطة وخطط جماعات المعارضة، أو الحركات السياسية أو منظمات حقوق الإنسان التي يشتبه أولئك الضباط في انتساب المُستدعين إليها، كما كانوا يأمرونهم بالإبلاغ عنها ولم يُسمح للمستجوبين باصطحاب محامين معهم".
وأبانت أنه "خلال تلك الاستجوابات، لجأ الضباط إلى استجواب المُستدعين بشكل متطفِّل عن حياتهم الشخصية وأنشطتهم السياسية، وإلى الإيذاء البدني والنفسي الذي قد يرقى إلى المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وكذلك إلى فحص محتوى هواتفهم وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي من دون إذن قضائي".
وأشارت إلى أن "أغلب الحالات التي وثقتها منظمة العفو الدولية، كان ضباط قطاع الأمن الوطني يهددون الأشخاص المُستدعين بالسجن والتعذيب وغيره من أشكال الأذى البدني لهم ولأسرهم، إذا رفضوا الكشف عن المعلومات المطلوبة. كما كانوا يحذِّرونهم من ممارسة حقوقهم في حرية التعبير أو حرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها أو حرية التجمع السلمي بعد الاستجواب".

مقابلات المنظمة
وعن نماذج التعامل كشف خبر عن التقرير بموقع المنظمة بعنوان "ضعوا حدا لشبكة الخوف التي يستخدمها قطاع الأمن الوطني للتحكم بحياة النشطاء، وأن مدافعا عن حقوق الإنسان، في مقابلة مع منظمة العفو الدولية، استُدعي إلى مقر قطاع الأمن الوطني في عام 2020 قال "سألني ضابط قطاع الأمن الوطني، المنظمة بتعمل إيه وبتشتغل على إيه وعلى المدير والتمويل وأنا بعمل إيه هناك… وبعدين قالي "بوص… أنا لو عرفت إنك بتكدب عليا، مش هتشوف الشمس تاني".
وفي مقابلة مع منظمة العفو الدولية قالت ناشطة بأنها "تعرضت للتحرش الجنسي من أحد عناصر الشرطة وأضافت تم تهديدي لما قررت اشتكي الظابط اللي اتحرش بي، اتهددت إني هرجع السجن تاني، اتقالي نصا إنتي عاوزة تعملي محضر إزاي، يعني إنتي عاوزة تحبسي نفسك، مافيش حاجة اسمها تعملي محضر”.

تقارير سابقة
وأشارت المنظمة إلى أنها  "سبق لها توثيق تقاعس النيابة بشكل منهجي عن التحقيق في ادعاءات التعذيب والاختفاء القسري على أيدي قطاع الأمن الوطني، ودور هذا الأخير في احتجاز نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان تعسفيا، بالاستناد فقط إلى تحريات قطاع الأمن الوطني السرية".
وشككت النتائج التي يتضمنها التقرير في جدية الالتزامات المذكورة في الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان الخاصة بمصر، والتي أُطلقت خلال حفل حضره السفاح عبد الفتاح السيسي في 11 سبتمبر ووعد فيه بصون الحق في الحرية والخصوصية وحرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، وحرية التجمع السلمي.

متابعة المعتقلين
وكشف التقبرير أن "الشرطة أمرت نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان، وجميعهم سبق أن احتُجزوا لفترات وصلت إلى ثلاث سنوات، بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير وحرية التجمع وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، بالحضور أسبوعيا أو شهريا إلى مكاتب قطاع الأمن الوطني في أقسام الشرطة أو في مقار منفصلة للقطاع، حيث يظلون محرومين من حريتهم لساعات أو أيام من دون أي أساس قانوني أو إشراف من السلطات القضائية، ومن دون إمكانية طلب التعويض أو الإنصاف".

وحددت أن "إجراءات المراقبة الشُرطية هذه، والمُتخذة خارج نطاق القضاء ويُشار إليها بتعبير “المتابعة” من جانب ضباط قطاع الأمن الوطني، ترقى إلى الحرمان التعسفي من الحرية وهي تختلف عن إجراءات المراقبة بأمر قضائي، كما أنها غير محددة الأجل ولا تخضع إلا لأهواء ضباط قطاع الأمن الوطني، وفي كثير من الحالات تعرض المحتجزون للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة، كما لحقت أضرار شديدة بحقهم في العمل وفي الحياة الأُسرية.
ومن المستحيل تحديد عدد الأشخاص الذين يتعرضون للمتابعة من قطاع الأمن الوطني، حيث إن هذه الممارسات تجري في غياب أوامر من السلطات القضائية، ولا تُتاح سجلات رسمية مكتوبة بشأنها وقد قال محامون في مقابلات مع منظمة العفو الدولية إن كثيرين من موكليهم الذين أُفرج عنهم اعتبارا من عام 2015 تعرضوا لهذه الممارسات بشكل متزايد بدءا من عام 2019.

أعداد أضخم من الإحصاء
وقال فيليب لوثر “إن ضحايا الممارسات المُسيئة على أيدي قطاع الأمن الوطني، الذين لا يُحصى عددهم، أصبحوا عاجزين عن ممارسة حياتهم على نحو طبيعي وآمن من جراء الترهيب والتهديد بالسجن بشكل متواصل ويُعاقب هؤلاء النشطاء عقابا مُضاعفا بسبب أنشطتهم المشروعة، حيث سبق أن تعرضوا للاحتجاز التعسفي. ويتعيَّن على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الداخلية المصري إنهاء تلك المضايقات خارج نطاق القضاء بحق النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان”.
وأشار التقرير إلى أن "الضحايا خلصوا إلى عدم وجود سُبل قانونية يمكنهم استخدامها للطعن في تلك الإجراءات أو الإبلاغ عن الانتهاكات أو السعي لتحقيق العدالة، وهو الأمر الذي يضع ضباط قطاع الأمن الوطني فوق النظام القانوني، فقد شعر الضحايا بأنهم غير قادرين على تقديم بلاغات للنيابة أو التنديد علنا بما تعرضوا له، خوفا من انتقام ضباط قطاع الأمن الوطني، وذلك بالنظر إلى التواطؤ الموثق للنيابة في انتهاكات قطاع الأمن الوطني. وكثيرا ما ذكر الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية أن ضباط قطاع الأمن الوطني، كانوا يتفاخرون ويتصرفون بثقة تامة في أنه لا عقاب على أفعالهم".
وأضاف فيليب لوثر "تفضح المضايقة بلا هوادة للمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من النشطاء تبني السلطات المصرية حديثا لإستراتيجية وطنية لحقوق الإنسان وسط جلبة صاخبة، كمجرد محاولة ماكرة لتبييض سجلها غير المشرّف في حقوق الإنسان" وتدعو منظمة العفو الدولية النائب العام المصري إلى فتح تحقيقات وافية ومستقلة حول ممارسات قطاع الأمن الوطني المُسيئة، فيجب محاسبة المسؤولين عن تلك الممارسات على وجه السرعة، بغض النظر عن رُتبهم أو مكانتهم أو وظائفهم ويجب أن يصدر عبد الفتاح السيسي تعليمات لوزير الداخلية، بوضع حد على الفور للمضايقة والاستدعاء خارج نطاق القضاء للمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من النشطاء، كما يتعيَّن على وزير الداخلية أن يندد علنا بهذه الممارسات".

Facebook Comments