رغم الترحيب المصري بالبيان الرئاسي لمجلس الأمن الدولي الصادر الأربعاء الماضي حول أزمة سد النهضة واعتباره أفضل ما يمكن الوصول إليه، إلا أن البيان لم يأتِ بجديد غير النص على استئناف المفاوضات بين أطراف الأزمة، دون وضع حد زمني أو إجراءات رادعة للإفشال أو التمديد غير المنطقي، وبذلك تستمر أزمة مصر والسودان مع السد الذي تواصل أثيوبيا استعداداتها للملء الثالث.

وأصدر مجلس الأمن الدولي الأربعاء بيانا رئاسيا حث فيه مصر والسودان وإثيوبيا على "استئناف التفاوض بخصوص سد النهضة برعاية الاتحاد الإفريقي، بهدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، ضمن إطار زمني معقول، في الوقت الذي أكدت فيه مصادر حكومية أنه جاري التحضير لمؤتمر جديد لاستئناف المفاوضات بين الدول الثلاثة أطراف الأزمة".

وقال مجلس الأمن في بيانه إنه "يشجع المراقبين الذين تمت دعوتهم لحضور مفاوضات الاتحاد الإفريقي، وأي مراقبين آخرين لمصر وإثيوبيا والسودان تتم دعوتهم بالتراضي بشكل مشترك لمواصلة دعم المفاوضات، بهدف تسهيل حل المشكلات الفنية والقانونية المعلقة".

وكان المجلس قد عُقد في يوليو الماضي جلسة بناء على طلبين قدمتهما مصر والسودان، للنظر في الأزمة المتعلقة بسد النهضة بعد أن فشلت المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الإفريقي في تحقيق تقدم في الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم أو حتى اتفاق معقول حول الملء الثاني الذي بدأت إثيوبيا بتنفيذه في 5 يوليو الماضي، وأخطرت مصر والسودان به بعد البدء في الملء.

وتقدمت تونس العضو العربي الحالي في مجلس الأمن، بمشروع بيان يشدد على أهمية وصول المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الإفريقي إلى نتيجة خلال ستة أشهر، إلا أن أغلب الدول الأعضاء في المجلس لم تُبدِ حماسا يذكر وقتها لوضع البيان التونسي محل التفاوض ثم التصويت.

 

فروق بين بياني "الأمن" و"تونس"

وبحسب الخبراء والمراقبين فإن "هناك ثلاثة فروق أساسية بين البيان الذي قدمته تونس، وذلك الذي صدر عن مجلس الأمن".

أولا: البيان الأصلي بيان تونس، كان يطالب ببقاء المجلس منشغلا بملف السد، لكنه وبناء على اعتراض الصين وروسيا تم إلغاء ذلك.

ثانيا: طالب البيان الأصلي بتحديد سقف زمني ستة أشهر أو أكثر للتفاوض، غير أن دولة كينيا رأت أن ذلك سيمثل تهديدا لأحد أطراف الأزمة وهو إثيوبيا، وبالتالي لم يتم تحديد سقف زمني.

ثالثا: البيان الصادر عن المجلس يترك الأمر مفتوحا سواء في ما يتعلق بآلية التفاوض أو إطارها الزمني أو مخرجاتها، وهو ما يُبقي الخلاف حول تفسير اتفاق إعلان المبادئ في 2015 قائما.

وبحسب دبلوماسيين فإن "هذا البيان الرئاسي يعد أقصى ما يمكن الحصول عليه لمصر والسودان من قبل مجلس الأمن، وذلك لأن مشروع القرار التونسي المقدم منذ يوليو الماضي، قد توقفت المفاوضات بشأنه ، كما أن تسيير الإجراءات بشأنه معلق ولا يبدو أن هذا التعليق سيّحل قريبا".

كما  أن "مندوبي روسيا والصين أبلغا الوفود الثلاثة ، مصر والسودان وإثيوبيا، أن ملف سد النهضة لن يعود إلى الأمم المتحدة مرة أخرى.

وهو الأمر الذي ينمُّ عن ضعف الدبلوماسية المصرية، ورخاوة نظام السيسي على الصعيد الدولي رغم تشدده وغشوميته بالداخل.

ومع استمرار خيار المفاوضات فقط فمن المرجح أن تستمر خسائر مصر والسودان جراء استكمال أعمال البناء والتخزين في سد النهضة، حيث يكتسب السد حماية ذاتية يوما تلو الآخر مع ارتفاع مناسيب المياه خلفه، حيث يستحيل أي عمل عسكري أو عدائي يستهدف السد.

 

موقف إثيوبي متشدد

ولعل الموقف الإثيوبي المتشدد يكشف عورات النظامين المصري والسوداني، حيث أعلنت الخارجية الأثيوبية أن "الطلب التونسي بـ«الخطأ التاريخي»، قائلة إن «إثيوبيا لن تعترف بأي مطالبة قد تثار على أساس البيان الرئاسي، خطأ تونس التاريخي بتقديم البيان الرئاسي يُقوّض مسؤوليتها الرسمية كعضو مناوب في مجلس الأمن الدولي على مقعد إفريقي».

أي أن إثيوبيا التي تعاند مصر والسودان غير معترفة أساسا بالبيان الرئاسي الذي جاء ضعيفا وغير محدد الخطوات والمدى الزمني ، وهو ما يعمق الهزيمة المصرية. 

ويأتي هذا الموقف في الوقت الذي تجري فيه الترتيبات بشأن اجتماع برئاسة الكونغو (الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي) يُعقد الشهر القادم بين أطراف الأزمة، ولا تزال تفاصيل الموعد وأجندة الاجتماع ومستوى التمثيل فيه قيد التشاور، ومن المرجح أن القاهرة ستصر في الاجتماع القادم تحت مظلة الاتحاد الإفريقي أن يتم الاتفاق قبل الملء الثالث، وفق الإشارة  الواردة بالبيان الرئاسي "إطار زمني معقول" وهو ما يتصادم مع إستراتيجية أثيوبيا المستقاة من الفكر الإستراتيجي الصهيوني "التفاوض لأجل التفاوض" مع فتح المدى الزمني للمفاوصات إلى ما لانهاية، حتى اكتمال البناء ووقوع الكوارث تلو الكوارث على مصر، من جفاف وتصحر وتبوير ملايين الأفدنة الزراعية وهجرة 40 مليون من سكان دلتا النيل وزيادة نسب الفقر بين المزارعين وعموم المصريين لنحو 80 مليون مصري، فيما يخزن السيسي أسلحة العالم في مخازنه بعد الحصول عل نسبة من صفقات السلاح، التي يبدو أنها لا تُستخدم إلا ضد المصريين ومعارضيه ومن يريد التخلص منه أو الانقلاب على انقلابه أو حماية حدود اسرائيل من أي أعمال مقاومة من حركات المقاومة الفلسطينية، وفق دوره الذي تهندسه الدوائر الصهيونية المتحكمة في مصر.

Facebook Comments