منذ مدة قصدنى صديقٌ كى أدقق وأراجع صياغة رسالة علمية، فى أحد الفروع الإسلامية، لقريب له انتوى نشرها فى كتاب، وتواصلت مع صاحب الرسالة الذى طلب منى، وهو يتأسف، حذف الحواشى التى ورد فيها ذكر أحد علماء أو مفكرى الإخوان، خصوصًا: قطب، القرضاوى، القطان، الزندانى، أبو غدة، زيدان..

قلت له: لا أفعلها؛ لأن تلك خيانة للبحث العلمى قبل أن تكون إنصافًا لهؤلاء المحذوفين. ثم سألته: ولو أنك حذفت الإحالات أو الحواشى (الهوامش السفلية) فماذا ستفعل فى النصوص التى نقلتها عنهم وقمت بشرحها أو بالرد عليها، وهى تمثل نسبة لا بأس بها فى متن الكتاب؟ قال -وتلك مصيبة أخرى-: سأتركها كما هى من دون حواشى أو أحيلها إلى مؤلفين آخرين. قلت له: سامحك الله! فهل أخبرك قريبك أنى لصٌ أو نصَّاب؟ وانتهى الحوار والصلة.

انظروا كيف فعل الاستبداد بالناس، وكيف أفسد خيرة شباب الأمة وأملها فى التطور والنهوض، وانظروا جرأة هذا الباحث وهو فى مقتبل حياته العلمية على التدليس، وكيف تورط فى فعل محرّم كهذا ثم لا يجد فى ذلك أدنى حرج، وماذا سيكون حال هذا الشاب فى باقى رحلته العلمية، وماذا لو تولى مستقبلًا مسئولية أو الإشراف على إحدى جهات البحث!

المفترض ألا يُسيَّس البحث العلمى، وأن يعمل الباحثون فى جو ديمقراطى وحرية تامّة بعيدًا عن تقلبات السياسة وتعاقب الأنظمة والحكومات، وأن تتمتع جهاته ومؤسساته بالاستقلالية؛ هذا لمن أراد جنى ثماره من رفع مستوى الوعى المجتمعى، والنمو الاقتصادى، والتنبؤ بالأزمات، والتغلب على المشكلات، وتفسير الظواهر، والكشف عن الغوامض، وهذا ما يفرض على الباحثين متابعة الإنجازات الإنسانية حول العالم دون تضييق على حريتهم فى التنقل والاتصال.

فإذا ما انتفت هذه الأجواء فقل: (رحم الله البحث العلمى)؛ إذ لا بحث علمى من دون حريات عامة وحريات أكاديمية تضمن للباحث حق التعبير عن رأيه، وحريته فى إجراء بحثه ونشره دون قيد أو تعسف أو رقابة، وقد سُئل أحد المفكرين الغربيين يومًا عن «ماهية الديكتاتورية» فقال: (أن تجعل المفكرين والمثقفين يصمتون)..

وهذا -للأسف- واقعنا المرُّ حتى صار البحث العلمى فى «المحروسة» فى محنة، أو قل: لم يعد لدينا بحث علمى، وماذا تسمى تلك الضغوطات التى تُمارَس على الجامعات والجهات البحثية لمنع استقلاليتها؟ وماذا تسمى تكريس سياسات تلك الجهات، المفترض أن تكون منارات تنوير للمجتمع، لدعم السياسات والخطابات الرسمية؟

ونحن هنا لا نتكلم عن عدم وجود رؤية للبحث العلمى فى مصر، ولا عن ميزانية مخجلة له (تبلغ 1% من الميزانية العامة: 70% منها للأجور، 15% مصروفات إدارية، 10% للبحث)، ولا عن نحو (400) مركز بحثى تابعة للوزارات شبه معطلة، ولا عن رئيسة قسم فى إحدى كليات العلوم استقالت منذ أيام لأن حافز رئاسة هذا القسم يبلغ (18) جنيهًا وقالت فى نص استقالتها إن أولادها وبيتها أولى بهذا الوقت الذى تهدره فى المنصب المجانى..

إننا نتحدث عن انهيار المنظومة الأخلاقية فى هذا المجال بفعل فاعل، واغتيال ما تبقى منه من آثار تدل عليه، وهل يعلم القارئ الكريم أن لدينا مركزًا بحثيًّا اسمه «المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية» وهو من المراكز المرموقة فى الوطن العربى، ويعمل به جيش من الباحثين المتميزين، ويعد مرجعًا أكاديميًّا معتبرًا.. هل تعلم أنه لم يعد لهذا المركز صوت منذ ثمانى سنوات، فإن لم يعمل باحثو هذا المركز فى ظل تلك التغيرات الاجتماعية الهائلة التى وقعت منذ ذلك التاريخ فمتى يعملون؟ إنهم أخرسوا صوته؛ لأن أبحاثه ودراساته الميدانية سوف تدينهم، وسوف تؤلب الشعب ضدهم.

ومثل مكاتب الطلاب والأحزاب والصحفيين فى الجهات الأمنية والمخابراتية هناك مكاتب للجامعات ومراكز البحوث ودور النشر، وظيفتها: تقييد النشر عمومًا، وتوجيه البحث بما يخدم توجهات النظام، واختيار قيادات منتفعة لتضييع أمانة البحث وشرف المهنة، وهناك سباق داخل هذه المراكز والجامعات لتفريغها من الوطنيين، وقد رأينا عددًا من الباحثين المعارضين تمت ملاحقتهم لإصرارهم على نشر الحقائق، خصوصًا الإسلاميين منهم، بل تعدت الملاحقة إلى الأجانب المفترض أنهم يتمتعون بالحصانة الأممية، ولعل ما وقع من قتل الباحث الإيطالى الشاب «جوليو ريجينى» ما يؤكد هلع النظام أمام البحث العلمى الأمين.

Facebook Comments