بحسب مراقبين فإن خطاب قيس سعيد الإثنين الماضي يحمل نبرة تقسيم بين التونسيين، وقد لمّح سعيد إلى ذلك بشكل مباشر تقريباً عندما قال إنه أخذ كل هذا الوقت منذ إعلان الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو الماضي، "للفرز بين الوطنيين الأحرار وغيرهم حتى تسقط على البعض آخر ورقة توت كانوا يحاولون يائسين أن يغطّوا بها عوراتهم''، مضيفاً "صواريخنا القانونية على منصاتها وجاهزة الإطلاق".

وقال سعيد إنه اختار أن يلقي كلمته "من مهد الثورة في سيدي بوزيد لا من مدارج المسرح البلدي"، وفي هذا تشديد على التفريق بين الجهتين والمكانين برمزيتيهما في الثورة التونسية، مضيفاً أنه على العهد الذي قطعه للشعب التونسي وأنه جاء إلى ولاية سيدي بوزيد حاملاً شعار "الشعب يريد''.

وكال سعيد اتهامات متعددة لمن تظاهر ضد الانقلاب يوم السبت الماضي في تونس وباريس، واصفاً بعضهم بـ"المخمورين"، وأنّ منهم "منْ قبض أموالاً للاحتجاج"، على حد قوله. وردّ النائب عن "التيار الديمقراطي" نعمان العش، على خطاب سعيد، قائلاً إنّ الخطاب "تبريري لفشل 55 يوماً من السلطات المجمعة… ثرثرة وصراخ".

وعلّق أستاذ القانون الدستوري، جوهر مبارك، وهو كان أحد المتظاهرين يوم السبت بالقول "ما أقوى 18"، في إشارة إلى تاريخ التظاهرات "ضد الانقلاب" السبت 18 سبتمبر، واستنكر كثيرون من المشاركين هذه الاتهامات.

وانتقد سعيد دستور 2014، في لقاء جمعه ببعض القانونيين الموالين له، قائلاً إنّ "الدستور كله أقفال، وفي خدمة المافيا التي تحكم تونس في السر، ولإضفاء مشروعية وهمية على نص غير مشروع"، متسائلاً "ألا يتغير الدستور؟"، معتبراً أنّ "كاتبي دستور سنة 59 قالوا إنه قابل للتطور بتطور الزمان".  لكن الأحزاب والقوى السياسية تتساءل عن طريقة تعديل الدستور وهل سيتم ذلك بشكل أحادي من جانب قيس سعيد أم بطريقة تشاركية كما جرى في 2014م.

وشهدت العاصمة تونس، يوم السبت 18 سبتمبر 2021م، تطوراً لافتاً في المشهدين السياسي والشعبي، بخروج أعداد مهمة من المواطنين الذين عبّروا عن رفضهم المساس بالدستور وضرب الديمقراطية، داعين إلى "إسقاط الانقلاب". كما أعلنوا عن رفضهم لقرارات الرئيس قيس سعيّد، ورفعوا شعارات عديدة، كان أبرزها تغيير شعار الثورة التونسية من "شغل حرية كرامة وطنية" إلى "دستور حرية كرامة وطنية". في المقابل تظاهر العشرات من المؤيدين لقيس سعيد، وفصلت الشرطة بين الطرفين.

تمزيق النسيج الوطني لتونس

كان الرئيس التونسي قيس سعيد أكد أن التدابير الاستثنائية (الانقلاب) ستتواصل، معلنا أنه تم وضع أحكام انتقالية تستجيب لمطالب الشعب'' على حد زعمه. وتابع من مدينة سيدي بوزيد مهد الثورة التونسية أنّ "التدابير الاستثنائية كان يمكن أن تكون أشد"، وانتقد من اتهمه بالانقلاب قائلاً "كيف يكون انقلاباً وهو من داخل الدستور، وعلى هؤلاء العودة للدراسة".

ونوه سعيد أنه ''سيتم وضع قانون انتخابي جديد حتى يكون النائب مسؤولاً أمام ناخبيه، وأنّ الأحكام المتعلقة بالحقوق والحريات التي نص عليها الدستور ستبقى سارية المفعول، ولن يقدر أحد على افتكاك حريتكم''، وفق تعبيره. وقال إنّ السيادة للشعب يمارسها عبر الاستفتاء والانتخاب، وأنّ القضية ليست قضية حكومة بل هي قضية منظومة كاملة، مدعيا أنه لم يلجأ إلى "التدابير الاستثنائية إلا للحفاظ على الوطن". وقال 'إنّ الحياء والأخلاق تمنعانه من أن يتحدث عن "الخونة الذين باعوا وطنهم''، وفق تعبيره. وقال سعيد إنّ "هناك من دفع المليارات في الخارج للتشويه وحتى للاغتيال"، وتعهد أنه "سيحافظ على الحقوق والحرّيات وأنه لن يمس أياً كان ولن يرفع أي قضية ضد أي كان".

في المقابل، دعا المنصف المرزوقي،  الرئيس التونسي الأسبق، الشعب إلى الثورة على قيس سعيد والإطاحة به ومحاكمته مع "الشلة" التي تحيط به، مؤكدا أن تصريحات قيس سعيد تعني أنه سيقوم بإلغاء الدستور داعيا الجيش والشرطة والإعلام إلى الإطاحة بسعيد ومحاكمته على انقلابه على الدستور. ودعا إلى إجراء انتخابات رئاسة وبرلمانية مبكرة بشرط أن يتقدم راشد الغنوشي باستقالته من رئاسة البرلمان ويتم انتخاب رئيس بدلا منه ليتولى إجراء هذه الانتخابات تحت مظلة الدستور.

رئيس التناقضات

وبحسب أستاذة القانون الدستوري، منى كريم الدريدي، فإنّ الرئيس قال في خطابه "الشيء ونقيضه، فمن جهة جدد التزامه بالدستور والبقاء في إطاره، ومن جهة أخرى تحدث عن إجراءات خارج الدستور". وفسّرت أنّ "إصدار أحكام انتقالية يعني بالضرورة تعليق الدستور، كلياً أو جزئياً، فلو كان القصد البقاء في إطار الدستور فيتم الاعتماد على أحكام استثنائية وليست انتقالية"، مشيرة إلى أنه "يتم إصدار الأحكام الانتقالية في حالة الانتقال من وضع إلى وضع آخر، ومن دستور إلى دستور جديد". ولفتت الدريدي إلى أنّ "الوضع يزداد غموضاً وإبهاماً"، متسائلة عن "الجهة التي ستضع هذه الأحكام الانتقالية، وبأي صيغة وكيف سيتم إقرارها وكيفية تنفيذها وتطبيقها، وعن محتوى مشروع الدستور الجديد".

وحول تعديل القانون الانتخابي، أكدت أنه "من غير الممكن دستورياً تعديله إلا من قبل السلطة التشريعية التي تتداول فيه وتصادق عليه"، مؤكدة أنّ "الدستور التونسي يستثني تعديل النظام الانتخابي عبر مراسيم (يصدرها الرئيس) وأي آلية أخرى تعتبر مخالفة للدستور الحالي".

واعتبر مقرر دستور 2014، الحبيب خضر، أنّ هناك "أحكاماً انتقالية تساوي تعليق الدستور التونسي كلياً أو جزئيّاً، وهي إيغال في الانقلاب". وأضاف، في تدوينة له على صفحته في "فيسبوك"، أنه "لا يمكن دستورياً تعديل النظام الانتخابي إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية، وهو مستثنى من مجال المراسيم (الفقرة الأخيرة من الفصل 70) وغير ذلك ليس إلا إيغالاً في الانقلاب".

Facebook Comments