وقف  الرئيس الأمريكي جو بايدن مزهوا وهو يلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء 21 سبتمبر 2021م، وقال بايدن إن بلاده ستعمل على إيجاد حلول للأزمات التي تضرب العالم من أقصاه إلى أقصاه، وإن جيش بلاده سيلتزم سياسة ضبط النفس في الصراعات المقبلة.  وشدَّد بايدن أيضاً على أن الديمقراطية وسيادة القانون هما الركيزتان الأساسيتان اللتان ترفعهما الولايات المتحدة شعاراً لها في تنافسها مع الصين وروسيا وفي مواجهة الصعود العالمي للنظم السلطوية. بل إن بايدن في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تعهد بقيادة العالم في النهوض بحقوق الإنسان وإبداء الازدراء المستحق لـ"المستبدين الذين قد يسعون لإعلان نهاية عصر الديمقراطية".

أما فيما يتعلق بالشرق الأوسط فتحدث بايدن عن أن هذه المنطقة لابد أن تكون بعيدة عن الصدامات والخلافات التي قد تتسبب في إشعال حرب، لكن رغم ذلك لم يقدم الرئيس الأمريكي ما كان ينتظره منه المراقبون لشؤون المنطقة خلال العام الذي أوشك على الانتهاء. وقد برهنت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط على أنها تعمل كما العادة في عهد إدارة بايدن، وذلك بعد أن ادَّعت إدارة بايدن في البداية أن سياستها الخارجية ستشكِّل قطيعةً مع السياسة السابقة لإدارة ترامب وتبنّي الأخيرة للقادة الاستبداديين في المنطقة، بحسب تقرير لموقع  Responsible Statecraft الأمريكي.

واقع الأمر أن حديث واشنطن عن ترويج الديمقرطية والدفاع  عن حقوق الإنسان هو أكذوبة (على الأقل في منطقة الشرق الأوسط)، فأفعال واشنطن تخالف أقوالها في هذا الشأن؛ ولذلك فإن النشطاء والمهتمين بالديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر والعالم العربي تستحوذ عليهم شكوك كبيرة بشأن مصداقية الادعاء الأمريكي حول نشر الديمقراطية ودعم حقوق الإنسان وإدانة الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها النظم العربية بحق شعوبها. وعلى إدارة بايدن أن تواجه اعتقادا مترسخا لدى العرب بأن السياسات الأميركية غير عادلة تجاه قضاياهم، وأنها منحازة إلى إسرائيل من جهة ونظم الحكم المستبدة في بلدانهم من جهة أخرى.

ويكفي موقف واشنطن من الانقلاب العسكري في مصر؛ كدليل ساطع على أن واشنطن ترى أن الديمقراطية في مصر تمثل أكبر تهديد لها ولمصالحها ومصالح ربيبتها "إسرائيل"، فقد أشرف وزير الدفاع الأمريكي على خطوات الانقلاب العسكري من الألف إلى الياء، وكان يتلقى اتصالات هاتفية تمتد لساعات من جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي قبل انقلابه بأسابيع حتى تم تنفيذ الجريمة التي تظاهرت واشنطن أنها تدينها رغم أنها تحفظت على وصف ما جرى أنه انقلاب!

ووفقا لتحليل أعدته رفيعة الطالعي، رئيس تحرير موقع "صدى" بالإنابة في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، في مايو 2021م، فإن  إعادة الولايات المتحدة خطاب ترويج الديمقراطية يطرح تساؤلا عن القيم والمصالح والمعايير التي ستوازن بها علاقاتها بحكومات عربية ترتبط معها بمصالح استراتيجية من جهة، ومن جهة أخرى إظهار رفضها انتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة. ستواجه الولايات المتحدة إشكاليتين تتعلقان بمصداقية طرحها لترويج الديمقراطية في المنطقة العربية، الأولى تتعلق بسياستها تجاه قضايا المنطقة، والثانية انحيازها للنخب الحاكمة.

في ملف "فلسطين"، لا يتوقع العرب أن تضغط إدارة أمريكية على إسرائيل لحل هذا الصراع. وحتى إذا استمر مسلسل التطبيع مع إسرائيل، فلا تزال الشعوب العربية غير راضية عن هذا المسار لأنها تعتقد أنه لا يحقق العدالة للفلسطينيين. وقد كشف المؤشر العربي  أن 88 في المئة من العرب يرفضون أن تعترف بلدانهم بإسرائيل، مقابل 6 في المئة قالوا إنهم يقبلون اعتراف بلدانهم بإسرائيل.  واحتلت "إسرائيل" صدارة الدول الأكثر تهديدا للعرب والمنطقة كلها بحسب المؤشر.

وفي ملف دعمها للنخب الحاكمة المستبدة، فلا يتوقع العرب من واشنطن أن تغير سياستها التي تقوم على المصالح لا المبادئ، ورغم الانتهاكات الجسيمة التي يمارسها النظام العسكري في مصر، لا يزال هذا النظام يحظى بعلاقات دفيئة مع واشنطن ويتلقى المساعدات السنوية كاملة. وفي بيان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الصادر في 26 فبراير 2021م والمعنون ب "المحاسبة على مقتل جمال خاشقجي"، فقد تم فرض قيود على تأشيرة الدخول إلى أمريكا لـ76 سعوديا يعتقد أنهم شاركوا في قتل خاشقجي، والرئيس بايدن اكتفى في محادثة مع الملك سلمان بإثارة ملف حقوق الإنسان في السعودية، والتعبير عن ارتياحه لإطلاق سراح الناشطة الحقوقية لجين الهذلول. وحتى تقرير الخارجية الأمريكية الذي تطرق لانتهاكات حقوق الإنسان في السعودية ودول عربية أخرى لم يتطرق مطلقا إلى دور ولي العهد محمد بن سلمان في الجريمة الوحشية؛ وهو ما يكرِّس لدى المواطن العربي استمرار إفلات منتهكي حقوق الإنسان في البلاد العربية من العقاب، وحصانة مرتكبي الجرائم بسبب انتمائهم للنخب الحاكمة، ويعزز الاعتقاد السائد بأن الولايات المتحدة لا تتخذ مواقف حاسمة من قضايا قد تهدد مصالحها الاقتصادية أو تفسد علاقاتها بشركائها الاستراتيجيين في المنطقة (إسرائيل ـ نخب الحكم العربية). فعند واشنطن فإن المصالح تعلو فوق القيم.

Facebook Comments