في ظل العجز السياسي لنظام المنقلب السفاح السيسي عن اتخاذ قرارات وطنية تنطلق من الرؤية المصرية لضرورة حلحلة ملفات عدم الاستقرار الداخلي، المتمثلة في ملف مئات الآلاف من المعتقلين السياسيين، الذين يمثلون وأسرهم ودوائر معارفهم تحديا مجتمعيا لنظام السيسي، إذ ينفضح بكل سهولة إنجازات السيسي الوهمية أمام معانة الملايين من المصريين المتصلين بملف المعتقلين، حيث يعايشون الظلم رأي العين. 

وبدلا من ذلك تهيئ الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للسيسي العديد من الوسائل والآليات لمواجهة انتقادات الغرب الواضحة لملف حقوق الإنسان في مصر، وما تسبب فيه من تعطل العديد من الملفات الخارجية المصرية، كما أظهرته إدارة ظهر دول العالم الكبرى لمصر في ملف سد النهضة، والذي جاءت مواقف الدول الكبرى في مجلس الأمن ضد مصر.
وأيضا تعليق جزء من المعونة العسكرية الأمريكية لمصر تصل 185 مليون دولار، وهو مبلغ بسيط إلا أنه لديه دلالة لدى القيادات العسكرية، التي تمثل الرقم الصعب في معادلة السيسي للحكم، بجانب رفض الإدارة الأمريكية دعوة السيسي لزيارة واشنطن ولقاء بايدن، الذي وصل للبيت الأبيض منذ 9 شهور، وهو ما يكلف مصر ارتماء أكثر تحت أقدام الكيان الصهيوني، طلبا للوساطة لدى واشنطن، وهو ما يفرض على مصر تقديم الكثير من الخدمات الأمنية والاستخبارية والاقتصادية لإسرائيل، وهو ما يضعف إستراتيجيات مصر.

وأمام هذا المشهد، وما به من تحديات إستراتيجية لمصر، يقوم نظام السيسي بدور راقصة الإستربيتز "الراقصة الداعرة" بحركات استعراضية تتراوح بين الساخنة والمثيرة للشهوات، أمام الغرب والإدارة الأمريكية ، فيما يخص انتهاكات النظام لحقوق الإنسان.
فما بين لقاءات تلفزيونية مصورة بثت على القنوات المصرية تظهر المعتقليين السياسيين والجنائيين يتنعمون في السجون بأكل اللحوم المشوية والنعام وأجود أنواع الأطعمة، كما شارك في تلك المسرحية الباهتة الحقوقي حافظ أبو سعده قبل رحيله، ومع ما حملته تلك المسرحية من سخرية عالمية ومحلية حاول النظام التلاعب بها بإعلان أن السجين يكلف الدولة نحو 5 آلاف جنيه شهريا، وأن كثيرا من السجناء يرفضون الخروج من محبسهم نظرا لظروف الحبس السياحية والترفيهية.
ولعل تواصل سقوط الضحايا والقتلى بالسجون المصرية جميعها ومراكز الاحتجاز الذين يصل عددهم لأكثر من ألف شهيد ، جراء الإهمال الطبي والتعذيب، وكان آخرهم المهندس أحمد النحاس الرئيس الأسبق للمكتب الإداري للإخوان بالإسكندرية، وقبله سلامة عبدالعزيز عاشور البالغ من العمر 42 عاما، داخل سجن طره، بسبب  الإهمال الطبي بعد معاناة من مرض الربو.
 
و"عبدالعزيز" هو أول حالة وفاة تُسجل في شهر سبتمبر الجاري، داخل السجون ومقار الاحتجاز الرسمية، بعد وفاة 3 مواطنين في أغسطس الماضي، ليرتفع عدد الوفيات بالسجون ومقار الاحتجاز المختلفة إلى 36 ضحية منذ بداية العام الجاري.
فيما شهد العام الماضي 2020 وحده 73 حالة وفاة نتيجة الإهمال الطبي.

وكذلك استشهد الدكتور محمود محمود عبداللطيف، من أبناء قرية النخاس بالزقازيق بمحافظة الشرقية، داخل محبسه.

ومع تفاقم الأصداء الدولية لانتهاكات نظام السيسي للحريات والحقوق، لجأ السيسي مؤخرا لإطلاق ما أسماها الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، تضمنت مجموعة من المبادئ المستقاة من المواثيق الدولية بعيدة كل البعد عن التطبيق في مصر، بجانب النص على العديد من المبادئ المتنافية مع الواقع المصري والدين الإسلامي، كالإلحاد وحرية الاعتقاد والممارسات، لإرضاء المؤسسات الحقوقية الغربية، بالمخالفة لما ذهبتت إليه المؤسسات الدينية المصرية كالازهر.
ثم تلا إعلان الإستراتيجية أحاديث لطيفة للسيسي عن السجون وواقعها المزري مبشرا المصريين بإقامة أكبر مجمع للسجون على الطريقة الأمريكية، لكي تتحول السجون مكانا للراحة لا لمعاقبة مضاعفة  للسجناء، وذلك على الرغم من الواقع المرير للسجناء حيث التكدس والتعذيب ومنع الزيارات والغذاء والأدوية ولقاء المحامين، حسب شهادات موثقة للمنظمات الحقوقية.
مؤتمر تلميعي
ولمزيد من الإقناع المصطنع للغرب، وليس الداخل، كشفت دوائر حقوقية وحكومية عن قرب عقد النظام لمؤتمر حقوقي داخل سجن طرة، يتضمن حضورا للسيسي وبعض السجناء منهم المعتقلين السياسيين، لتلميع وجه السيسي.
وأفادت تقارير حقوقية بأن جهاز الأمن الوطني يعرض ما يشبه صفقة على عدد من المعتقلين السياسيين داخل السجون ، ومن بينهم إسلاميون، على الظهور في مؤتمر كبير مزمع داخل مجمع سجون "طرة" بحضور عبدالفتاح السيسي والحديث بشكل إيجابي عن الأوضاع داخل السجون بسيناريوهات مكتوبة سلفا من الأجهزة الأمنية، مقابل الإفراج عنهم بعفو رئاسي خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
 
وأشارت التقارير إلى أن "قيادات من الأمن الوطني يجرون زيارات حالية لعدد من السجون بالبلاد، حيث يلتقون بعدد من المعتقلين السياسيين، ويناقشونهم حول آرائهم في رئيس الجمهورية وخططهم خارج السجن، في حال خروجهم منه بعفو رئاسي.

 لقاءات أمنية في سجون طرة ووادي النطرون والمنيا..
 
ونقل موقع "مدى مصر" عن أحد المحامين لم يذكر اسمه قوله إنه "علم من عدد من موكليه بسجن طرة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية أن إدارة السجن ترتب لعقد مؤتمر كبير بحضور رئيس الجمهورية ووزير الداخلية، فيما ستختار قيادات الأمن الوطني بالسجن عددا من المساجين وخصوصا السياسيين سواء الإسلاميين أو غيرهم، وتوجه لهم بعض الأسئلة، وتدرب عددا منهم على إجابات محددة للأسئلة، نظير خروجهم في عفو رئاسي".
 
ووفقا لتأكيد المحاميين، تبع تلك الاجتماعات نقل عشرات المحبوسين من السجنين إلى سجن طرة وإبلاغهم بقرب صدور قرار جمهوري بالعفو عنهم.
وينتظر أن يصدر عفو رئاسي اعتيادي في أكتوبر المقبل، سواء بمناسبة احتفالات السادس من أكتوبر أو المولد النبوي الشريف .
 
 
وتأتي هذه التطورات، بعد قرار الإدارة الأمريكية بحجب جزء من المساعدة العسكرية المقدمة إلى مصر، وربطها بإحراز تقدم بملف حقوق الإنسان في البلاد، فهل تنطلي المسرحيات الهزلية على أحد أمام كم الانتهاكات الرهيبة لحقوق الإنسان في مصر أو في أي دولة من دول العالم؟.

Facebook Comments