في برهان جديد على حجم الظلم والطغيان الذي تفرضه سلطات الانقلاب في مصر على جميع فئات الشعب المصري، كشفت تقارير إعلامية أن مجلس الوزراء بحكومة الانقلاب قد أصدر تعليمات إلى جميع الجهات الحكومية من وزارات وهيئات وشركات، تتضمن تعليمات سريّة بفرض عقوبات إدارية على الموظفين الذين يرفعون دعاوى قضائية ضد الحكومة، سواء في مجلس الدولة، أو أي محاكم أخرى. وبحسب مراقبين فإن  الهدف هو ضرب مكانة مجلس الدولة وتحجيم سلطاته وفق مخطط حكومي قد يتجه مستقبلا نحو دمج المجلس في هيئة قضاية أخرى انتقاما منه لموقفه من قضية "تيران وصنافير".

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "العربي الجديد" اللندنية فإن التعليمات تتضمن "التأكيد على جميع الوزراء بإنهاء جميع المنازعات القضائية بين الجهات الحكومية وبعضها البعض، وتسوية أي نزاع من خلال لجان فضّ المنازعات الحكومية بوزارة العدل، والتنبيه على المرؤوسين بعدم رفع أي دعوى قضائية ضد جهة حكومية، واتخاذ إجراءات عقابية ضد من يقوم بذلك".

ويعزو التقرير أسباب تعميم التوجيهات الحكومية بذلك إلى صدور تعليمات فوقية من الدائرة المقربة من رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي والتي طالبت بضرورة التصدي للدعاوى القضائية التي ترفع من المواطنين بشكل عام والموظفين بشكل خاص ضد الحكومة، نظراً لتسببها بأعباء مالية كبيرة على خزانة الدولة.

التعليمات الصادرة من دائرة السيسي ــ بحسب التقرير ــ  شملت أيضا سرعة الفصل في النزاعات المعروضة أمام لجان فض المنازعات الحكومية التابعة لوزارة العدل، بصورة تصعّب اللجوء للقضاء، على الرغم من أن اللجوء لهذه اللجان في واقع الأمر مجرد خطوة مبدئية لمباشرة حق التقاضي، بموجب التشريعات ذات الصلة في مصر. ولا تحرص هذه اللجان على فض ما يعرض عليها من الأساس، لعدم تمتعها بالإمكانيات الفنية التي تؤهلها لذلك، وهو ما حولها فعلياً بمرور السنوات إلى مركز للقضاة المحالين إلى التقاعد، الذين يتم تعيينهم أعضاءً في تلك اللجان لزيادة دخلهم إلى جانب الرواتب.

 

مخالفة دستورية

وبحسب التقرير فإن التوجه الحكومة الجديد يقع في مخالفات دستورية عديدة، أبرزها إهدار حق التقاضي الذي هو من الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور، والتي أفردت لها "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" الصادرة منذ أيام قليلة قسماً كبيراً للتطوير والتحسين. وتخالف تعليمات الحكومة المادة 97 من الدستور التي تنص على أن "التقاضي حق مصون ومكفول للجميع. وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضي، وتعمل على سرعة الفصل في القضايا، ويحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، ولا يحاكم شخص إلا أمام القاضي المختص، والمحاكم الاستثنائية محظورة".

من جهة ثانية، فإن هذه التعليمات الحكومية التي تحرم الموظفين من حق التقاضي تخلق حالة واسعة من عدم المساواة بين المواطنين الذين يمكنهم رفع دعاوى ضد الحكومة، والموظفين الذين لن يسمح لهم بذلك. وهو ما يخالف المادة 53 من الدستور التي تنص على أن "المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر".

من جهة ثالثة، فإن  هذه التعليمات الحكومية المشبوهة تتكامل مع تعدلات قانوني  الفصل بغير الطريق التأديبي والخدمة المدنية، المعروفة إعلامياً بـ"فصل الإخوان"، التي أصدرها السيسي في مطلع أغسطس 2021م. وتسمح التعليمات بالفصل المباشر بقرار إداري، من دون العرض على جهات التحقيق المختصة بالتعامل مع موظفي الخدمة المدنية وغيرهم من العاملين، ومن دون أن يكون القرار صادراً عن النيابة الإدارية، وحتى من دون عرض الأمر على المحاكم التأديبية.

من جهة رابعة، فإن بتطبيق التعليمات الجديدة على هذا القانون، يمكن بسهولة فصل الموظفين الذين يلجأون إلى القضاء ضد الدولة بحجة أنه يخلّ بمصالحها، فضلاً عن عدم تمكن الموظف من اللجوء للقضاء لإزالة ظلم وقع عليه أو الحصول على حق حُجب عنه أو مزايا سُحبت منه خوفاً من فصله أو التنكيل به بصورة أكبر.

 

بعد سياسي

ومن جهة خامسة، فإن الهدف الآخر ذو البعد السياسي من التعليمات هو تجفيف مجلس الدولة والقضاء على ما تبقى من أهميته، بعد نحو 4 سنوات من الحملة الشرسة عليه بسبب أحكام بطلان التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، فضلاً عن تصنيف المجلس ككيان ومعظم قضاته كأشخاص كمعارضين للسلطة. كما تسمح التعليمات باستخدام وسائل شتى لقمع القضاة والتحكم في إدارتهم وحرمانهم من امتيازاتهم السابقة، وعلى رأسها الانتداب في الجهات الحكومية. هذه التعليمات ستؤدي أيضا  إلى انخفاض نسبة لجوء الموظفين إلى المجلس، وتقلّل أيضاً نسبة المنازعات التي تصل إليه من لجان الفض التابعة لوزارة العدل، وهو ما سينعكس انخفاضاً في كمية المنازعات إلى نحو ثلثي ما تتلقاه محاكم المجلس سنوياً في الوقت الحالي، وفقاً لتقديرات مصدر قضائي رفيع المستوى.

وتتضمن التعليمات ذاتها تصفية المنازعات بين الجهات الحكومية وبين بعضها البعض، وتوجيهها إلى لجان فض المنازعات، الأمر الذي سينعكس أيضاً على مجلس الدولة، بتقليل عدد المنازعات الحكومية الداخلية التي تُعرض يومياً عليه للإفتاء فيها، وفقاً لقانونه وللدستور، ما يعني في النهاية ضرب الاختصاصين القضائي والإفتائي للمجلس.

 وربما يسمح تراجع دور المجلس بهذا الشكل باتخاذ إجراءات أخرى ضده مستقبلاً، مثل تقليص صلاحياته أو دمجه مع باقي الهيئات القضائية في مؤسسة قضائية واحدة، وهو ما يحدّ من فرص اشتباك المواطنين مع الحكومة لانتزاع حقوقهم المسلوبة أو تحرير حرياتهم المعطلة.

وكان السيسي عيّن 411 قاضياً جديداً بمجلس الدولة في 6 أغسطس 2021م،  وأجريت للمرشحين دورات تدريبية بالأكاديمية الوطنية التابعة للمخابرات العامة. وبعد ظهور النتائج، أُعيد إجراء التحريات الأمنية والرقابية على أقارب الخريجين المقبولين، حتى الدرجة الرابعة، في مخالفة لأحكام سابقة من المحكمة الإدارية العليا بحظر قبول المتقدمين بسبب أفعال وجرائم ارتكبها أقارب لهم، أو بتصنيفات أمنية للأقارب. ونتج عن هذه العملية استبعاد نحو 60 شخصاً من المقبولين.

Facebook Comments