مئات المليارات تنفقها عصابة الانقلاب العسكري بمصر على إنشاء قطار لمنتجعات سياحية، وإنشاء أكبر جامع وأكبر كنيسة، في منطقة لا تزال خالية من المصلين أصلا، وإنشاء أكبر مجمع للسجون، ومع ذلك يصل التكدس في فصول المدارس الحكومية إلى درجة غير آدمية.

وإذا سألت أي مشتغل بخطط التنمية في أي دولة سيخبرك أن "التعليم والبحث العلمي هما قاطرتا التنمية، فهل يمكن لطالب الجلوس نحو سبع ساعات أو يزيد، وسط مائة شخص آخر على الأقل في فصل دراسي يفتقد أبسط وسائل الراحة؟".

كيف يمكن للمعلم الذي تحاربه حكومة الانقلاب أن يشرح درسا لهذا العدد الهائل في مكان، لو أن كل واحد منهم أخذ شهيقا من الهواء، لاختنق الباقي فيه؟ كيف يمكن للمدرس أن يوصّل المعلومة وسط هذا الطوفان البشري؟ هل يجد سبيلا للمقاومة؟.

 

للأغنياء فقط!

يقولون "يكفي عبدالناصر أنه جعل التعليم مجانا فالتحق أبناء الفقراء بالمدارس وانخفضت نسبة الجهل والأمية في الشعب المصرى" إنها أُكذوبة كبرى فليس عبدالناصر هو صاحب قرار المجانية، فقد تم اتخاذه قبل انقلاب يوليو 1952 حينما وقف طه حسين باشا وزير المعارف العمومية في البهو الكبير بجامعة الإسكندرية يوم افتتاحها في حضور الملك فاروق ليخطب في الحاضرين ويقول  إن "مصر تحتفل اليوم بمناسبتين، جامعة جديدة لأشهر ميناء عروس البحر الأبيض المتوسط، وإعلان أن التعليم في مصر حق للجميع فهو كالماء والهواء منحة من الله لكل الناس بلا تفريق".

وارتبطت مجانية التعليم بتشبيهه بالماء والهواء كما قالها عميد الأدب العربي طه حسين، لكن انقلاب الضباط جاء بعد أقل من عام بعد تطبيق القانون الجديد فظن الجميع  حتى اليوم، أن الانقلاب هو صاحب فكرة مجانية التعليم والحقيقة أنه صاحب ضياع مجانية التعليم.

يعمل السفاح السيسي، منذ بداية الانقلاب، على تخصيص التعليم في مصر، ولا سيما الجامعي منه، اتّخذ السفاح خطوات من شأنها القضاء في نهاية المطاف، على الطابع المجاني الذي رسخه العهد الملكي منذ القرن الماضي، ليتحول التعليم إلى الأثرياء فقط.

وربط تزاحم فصول الدراسة بالزيادة السكانية مردود على إعلام عصابة الانقلاب، أولا لأن الدولة بافتراض أن النظام شرعي منتخب، يجب أن تسبق المجتمع في التخطيط، وهي تملك أرقام المواليد، وبذا عليها أن تخصص جزءا من الميزانية لبناء المدارس التي تستوعب الداخلين الجدد إلى التعليم، ثانيا هناك إنفاق مفرط في مجالات أخرى يصب فقط في مصلحة الأغنياء يكفي 3% منها فقط تعليما جيدا.

تقول الكاتبة الصحفية مي عزام "عندنا عجز ٣٥٠ ألف فصل دراسي حتى كثافة الفصل تبقى ٣٠ تلميذا، والرئيس قال إنه "سوف يبني مليون وحدة سكنية لدرجة أن الشعب هيتكعبل في الشقق، هو ينفع ياريس نبني فصولا ونقعد التلاميذ على دكك بدل الأرض، ونعين مدرسين ونؤجل الكعبلة في الشقق الخالية من السكان".

ويقول الدكتور أحمد عبد العزيز، المستشار الرئاسي في حكومة الرئيس الشهيد محمد مرسي "قريبا سيفتتح السيسي أول مجمع للسجون في مصر وهو واحد من ثمانية مجمعات، تحت الإنشاء بتكلفة 450 مليون دولار للمجمع الواحد، وهو رقم كاف جدا لإنشاء 2000 مدرسة و 1000 مستشفى بمواصفات قياسية، أما تلاميذ مصر فيتلقون دروسهم بهذه الطريقة التي لم تكن موجودة في عهد الاحتلال الإنجليزي".

ويقول البرفسور الدكتور خليل العناني "تكلفة مجمع سجون وادي النطرون الجديد وحده حوالي نصف مليار دولار، يعني ممكن تبني 2000 مدرسة بأحدث التجهيزات والمعدات، قول لرئيسك يوقف الإنفاق على السجون وينفق على التعليم بدل الكلام الفارغ".

وإذا كان هذا حال المدرس، فكيف بحال طفل صغير لا يتعدى عمره عشر سنوات يعيش يوميا هذه المأساة في المدارس الحكومية التي تخطى عدد طلاب الفصل الواحد في بعضها حاجز المائة, وكادت الأحواش والملاعب تختفي نظرا لبناء الفصول بها حتى تستوعب الأعداد الجديدة كل عام؟.

 

عصابة الأصفار

جراء ذلك، حصلت مصر العام الماضي على صفر في مؤشر جودة التعليم فيما يتعلق بكثافة الفصول الدراسية، بيد أن مشكلة كثافة الفصول الدراسية متكررة، وتطل برأسها كل عام، وتشرئب أعناقنا جميعا للبحث عن حل لها، ولا يكاد يمر موسم دراسي تحت رعاية الانقلاب من دون تصريحات وزارية بضرورة القضاء عليها، والتوسع في بناء المدارس، ولكن دائما ما يتحدث مسئولو الانقلاب عن عائق التكلفة، وعدم توافر أماكن للبناء.

وما بين مدارس الأقاليم والقاهرة، نجد التراوح والتباين في أعداد الطلاب في الفصول بالمراحل الثلاث الأولى للتعليم، وإن كانت الأحوال في بعض المدارس لا ترقى لمستوى لائق لتحصيل العلم باستثناءات قليلة.

وتبقى الكثافة والدروس الخصوصية وجهين للعملية التعليمية في مصر حاليا, فقد وصلت الكثافة في بعض المدارس الحكومية إلى120 تلميذا في الفصل الواحد، أما في المدارس الابتدائية، فإن كثافتها لا تقل عن90 تلميذا، والأرقام والمعلومات وفق الأهرام الرسمية، وكل الصحف ووسائل الإعلام في مصر أصلا كلها أصبحت تحت تصرف الانقلاب.

تقول الكاتبة الصحفية مي شمس الدين "التعليم الحكومي المجاني في كل بلاد العالم المحترمة هو الأساس، وعمر ما أحد وجه له النظرة الدونية التي نحن نراها هنا في مصر، البلد التي التعليم المجاني فيها كان تاريخيا وهو الوسيلة العادلة والشرعية الوحيدة للترقي المجتمعي".

مضيفة "أنا شخصيا أقول دائما إني محظوظة جدا، لأني كنت من أواخر الأجيال التي  لحقت أخر ما تبقى من تعليم مجاني حكومي جيد، ورغم معاناتي في بداية دراستي في الجامعة الأمريكية بسبب الاختلاف الشديد بين التعليم المصري والأمريكي، لكنني  مدينة للتعليم هذا لأني أعرف أن الشهادة الثانوية  امتياز".

وتابعت شمس الدين بالقول " المشكلة عمرها ما كانت أن التعليم المجاني سيئ، التعليم المجاني هو الفرصة الوحيدة لتساوي الفرص والترقي المجتمعي والعدالة في أي مجتمع سوي  يرغب في التقدم، بالذات في بلد فيها كتلة بشرية كبيرة وفاعلة مثل مصر".

وأوضحت "أكبر عوائق تواجه التعليم في مصر هي الزيادة السكانية وقلة الإنفاق الحكومي على التعليم، أبناء الطبقات المتوسطة والمتوسطة العليا والعليا التي تعيش في المدن هجروا التعليم الحكومي، لكن لازال أكتر من 80% من عموم أبناء المصريين ليس عندهم بديل للتعليم الحكومي المجاني".

وختمت بالقول "نغمة احتقار التعليم الحكومي والمطالبة بإلغاء مجانية التعليم كلام خطير جدا يا جماعة، والرداءة التي نحن نراها الآن، حلها أننا نوجه كل طاقتنا في تطوير التعليم ونجعله الأولوية رقم 1 هذا لو أننا فعلا نريد تنمية حقيقية في البلد ، إلغاء المجانية والاتجاه للتعليم الخاص كارثة".

Facebook Comments