لولا المقاومة الشعبية في السويس لما كان هناك أي  معنى للحديث والتباهي بانتصار أكتوبر 1973م العاشر من رمضان 1393هـ، لكن من دواعي  الأسف أن هذا الدور العظيم الذي قام به شعب السويس بقيادة الشيخ حافظ سلامة  ــ عليه رحمة الله ــ  وشباب المدينة الباسلة الذين اتخذوا من المساجد مراكز للتحرك والمقاومة ومنع أرتال من دبابات جيش الاحتلال الإسرائيلي من اقتحام المدينة واحتلالها. هذا الدور  العظيم يتم تجاهله عمدا مع سبق الإصرار والترصد، ولا يبقى في الصورة سوى تمجيد المؤسسة العسكرية وبعض قادتها الذين كان لهم دور في الحرب. في عهد السادات نسب الرجل الانتصار لنفسه رغم أن بعض قراراته أثناء الحرب هي التي أدت إلى كوارث بالمعنى العسكري والحربي وأفضت إلى مقتل آلاف الجنود والضباط وتسببت في ثغرة الدفرسوار التي تمكن العدو من خلالها من عبور القناة إلى الضفة الغربية ثم محاصرة محافظة السويس والسعي لاحتلالها لولا المقاومة الشعبية الباسلة.

حتى اليوم لم يتم إنتاج فيلم سينمائي عن هذا الدور العظيم، لكن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي أنفق مئات الملايين على فيلم الممر  قبل ثلاث سنوات،  كدعاية للمؤسسة العسكرية، رغم أن الفيلم يتناول أحداثا  وشخوصا خيالية لم يكن له وجود في الحقيقة. كما أنفق مئات الملايين على مسلسل "الاختيار 2"  من أجل تمجيد جرائمه وجرائم بعض قوات الجيش والشرطة في فض اعتصام رابعة  والنهضة ومصطفى محمود يوم 14 أغسطس 2013م، وقتل مئات المصريين قنصا وحرقا في مشهد وحشي يعكس انعدام الإنسانية عند الذين تورطوا في هذه الجرائم.  ألم يكن من الأولى توجيه هذا العمل السينمائي الضخم للتوعية بدور المقاومة الشعبية في حماية شرف الجيش والمؤسسة العسكرية ومنع الاحتلال من اقتحام السويس؟!  وما الذي يقف وراء هذا التجاهل لدور المقاومة الشعبية في حرب أكتوبر؟

يمكن تفسير ذلك بأن الذي كان يقود المقاومة شيخ وإمام مسجد، ونظام السيسي يشن حربا شعواء على المساجد وأئمتها وخطبائها وكل من يدعو إلى الإسلام كعقيدة وشريعة ونظام حياة، وبالتالي يحجم النظام عن  تكريم  مجرد التكريم لدور المقاومة الشعبية في الحرب، أضف إلى ذلك أن الشباب الذي تصدوا لدبابات الاحتلال ومنعه من اقتحام مدينة السويس هم شباب المساجد  ونظام السيسي يشن حربا شعواء لا هوادة فيها ضد معظم الشباب الذين يرتادون المساجد؛حتى بات أداء الصلاة على وقتها في بيت من بيوت الله شبهة يمكن أن يتم اعتقال صاحبها والتحقيق معه لأيام  باعتباره إرهابيا محتملا.

أمام هذه الحقائق فإن الحرب التي يشنها السيسي على الإسلاميين هي بالأساس حرب بالوكالة عن الكيان الصهيوني الذي يدرك تمام اليقين أن  الإسلاميين هم طليعة الأمة العربية والإسلامية لمواجهة المشروع الصهيوني، ويبرهن على ذلك ثلاثة شواهد:

الأول، الدور البطولي العظيم الذي قام به شباب الإخوان المسلمين الذين تطوعوا في حرب 1948م، وكيف سطروا بطولات مدهشة أثارت حيرة اليهودة وداعميهم من الإنجليز وقتها، فكانت جيش العرب تتلقى الهزائم وتفقد الأرض نهارا، وتستردها كتائب الإخوان ليلا، حتى كتب في هذه البطولات كتب كثيرة توثق هذا الدور  البطولي العظيم.

الثاني، هو الدور الذي قامت به المقاومة الشعبية الإسلامية في حرب 1973م بقيادة الشيخ حافظ سلامة عليه رحمة الله، وكيف تصدى شباب المساجد لدبابات العدو ومنعوها من اقتحام المدينة في الوقت الذي أبدى فيه المحافظ المعين من نظام الرئيس السابق محمد أنور السادات قبوله بتسليم المدينة بالتنسيق مع قيادة الجيش الثالث الميداني التي كانت محاصرة وقتها. ولولا المقاومة الشعبية لسقطت السويس، ولو جرى ذلك لما كان هناك أي معنى للحديث عن النصر والعبور وغير ذلك من المشاهد التي يتفاخر الجيش بها حتى اليوم.

الثالث،  الدور البطولي الذي تقوم حركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، والتي تمكنت من طرد الغزاة المحتلين وتحرير القطاع في 2005م، ورغم الحصار الجائر المفروض على القطاع منذ 2007م أثبت حركات المقاومة بسالة نادرة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، ورغم شن العدو 4 حروب غير متكافئة في 2008 و2012 و2014 و2021م إلا أن المقاومة أجبرت العدو على الوقوف على تخوم غزة والاكتفاء بالطيران دون  القدرة على مواجهة رجال المقاومة الإسلامية.

في مثل هذه الأيام من 1973م، كان الشيخ حافظ سلامة ورجال المقاومة الشعبية يبثون عبر مكبرات الصوت في المساجد روح البطولة والثبات والجهاد في سبيل الله دفاعا عن الوطن ضد الغزاة المحتلين، حتى تمكنوا  بدءا من يوم 22 أكتوبر من صد هجوم العدو، لكن أحفاد الذين تصدوا في السويس للعدو الصهيوني يتم سحقهم اليوم قتلا واعتقالا وظلما وتعسفا، أما العدو نفسه فبات الحليف الحميم لنظام الطاغية عبدالفتاح السيسي! أرأيتم كيف تمكن العدو من اختراق صفوفنا حتى وسَّد علينا عدوا منا يدين لهم بالولاء والمودة؟!

النظام ينفق بسخاء بالغ من أجل المبالغة الشديدة في تمجيد العسكرية المصرية والعمل على تحويل هزائمها المذلة إلى نكسات ونكساتها إلى انتصارات وفشلها إلى نجاح وفساد واستبداد وخيانة بعض قادتها إلى منتهى الوطنية والانتماء؛ فهزيمة 5 يونيو 1967 المذلة تحولت إلى "نكسة" في محاولة للتقليل من مرارتها، أما حرب أكتوبر فالإعلام يتوقف عند الأسبوع الأول منها فقط والذي عبرت خلاله قواتنا المسلحة قناة السويس وحطمت خط بارليف وأنزلت بالعدو الصهيوني هزائم مذلة؛ لكن الأسبوع الثاني وما تلاه فلا ذكر له حيث أمر الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بتوسيع الهجوم البري خارج غطاء مظلة صواريخ الدفاع الجوي رغم المعارضة الشديدة من رئيس الأركان اللواء سعد الدين الشاذلي وقادة الجيشين الثاني والثالث؛ ما أدى إلى خسائر فادحة وخسرت مصر مئات الدبابات في أيام قليلة ثم حدثت ثغرة الدفرسوار وتمكن العدو أيضا من عبور قناة السويس ثم حصار محافظة السويس؛ ولولا المقاومة الشعبية التي حالت دون احتلال المدينة لما كان هناك أي معنى لوصف أكتوبر بالانتصار، ورغم ذلك اختفت أي إشادة بالدور الشعبي في مقابل المبالغة الشديد في تمجيد الدور العسكري!

الجدير بالذكر أن الشيخ حافظ سلامة (1925ــ 2021) الذي قاد المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي في حرب 73 كان أزهري النشأة، حيث بدأ تعليمه بكتاب الحي ثم الابتدائية الأزهرية وأخذ في تثقيف نفسه في العلوم الشرعية والثقافة العامة ودروس العديد من العلوم الدينية ثم عمل في الأزهر واعظا حتى أصبح مستشارا لشيخ الأزهر للشئون المعاهد الأزهرية حتى سنة 1978م، ثم أحيل للتقاعد. خلال حياته انتسب الشيخ لجماعة الإخوان المسلمين فترة ثم  اتجه للعمل الخيري مبكرا، وشارك في العديد من الجمعيات الخيرية في السويس، وكان له دور اجتماعي وسياسي ونضالي بارز حيث ساهم في دعم المقاومة والمشاركة في العمليات الفدائية والتعبئة العامة للفدائيين ضد الاحتلال الإسرائيلي.

Facebook Comments