يبدو أن العسكر في السودان يستنسخون ما قام به رئيس الانقلاب العسكري في مصر، فأي انقلاب عسكري يحتاج إلى غطاء مدني حتى يتمكن العسكريون من خلاله إلى إعلان انقلابهم باعتباره ترجمة للمطالب الشعبية. وعلى غرار  مظاهرات 30 يونيو 2013م التي كان الجيش يقف وراءها مدعوما من قوى خارجية وداخلية، نظم مؤيدون للجيش في السودان اعتصاما حاشدا بالعاصمة الخرطوم تأييدا لسيطرة الجيش على السلطة وطرج المكون المدني منها في ظل الانقسامات الحادة التي تضرب تحالف السلطة حاليا.

وعلى غير المعتاد كانت الطرق إلى المقار الحكومية الحيوية في وسط العاصمة السودانية الخرطوم صباح السبت 16 أكتوبر 2021م، مفتوحة أمام المتظاهرين المؤيدين للعسكريين في حكم الفترة الانتقالية، وغابت الحشود الأمنية التي عادة ما تملأ الشوارع مع دعوات التظاهر التي تطلقها قوى الثورة السودانية المدنية.

هذه الحشود التي تمتعت بالحرية المطلقة لم تجد صعوبة في الدخول إلى محيط القصر الرئاسي، وسرعان ما نصب منظمو التظاهرة منصة تبادل من عليها قادة التظاهرات ترديد شعارات مؤيدة للجيش. وتنادي بتفويضه بحكم البلاد وتغليق الوثيقة الدستورية التي تحكم المرحلة الانتقالية حاليا.

ويكشف تقرير نشره موقع "مدى مصر" أن كثيرا من المشاركين في الحشود المؤيدة للجيش تلقوا أموالا من أجل المشاركة دون أن يعرفوا طبيعتها وأهدافها. هم فقط مجرد أعداد لتضخيم مشهد الحشود لإيهام الرأي العام السوداني والدولي أن الجيش يحظى بدعم شعبي واسع لحكم البلاد.

ومع بدء توافد المتظاهرين رصد «مدى مصر» تجمع سيارات تحيط بالمكان، محملة بطعام وماء لتوزيعه على المشاركين الذين تدافعوا عليها بكثافة، فيما كان عدد من اﻷشخاص يحملون حقائب يتجولون لتوزيع أموال أجرة بعض السيارات. ومع دخول الليل، وجهت المنصة الرئيسية مطالبات مكثفة ومتكررة للمتظاهرين للاعتصام، وبالفعل تم نصب بعض الخيام في مقر الاعتصام، لتغلق صباح الأحد، شوارعًا حيوية ورئيسية وسط الخرطوم، بعد انسحاب أعداد كبيرة من المعتصمين، مقابل تمسك قادتهم، والمتحدثين على المنصة الرئيسية، باستمرار الاعتصام لحين تحقيق مطالبهم.

وسبق وأن هدد رئيس مجلس السيادة، وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو «حميدتي»، بتحريك الشارع والاستجابة له بحل الحكومة، وهي التهديدات التي كان لها حضور لافت في قلب معركة العسكريين مع شركائهم المدنيين في حكم الفترة الانتقالية.

تلك التهديدات تزامنت مع اقتراب تسليم رئاسة مجلس السيادة الانتقالي لأحد أعضاء المجلس السيادي من المدنيين، في نوفمبر المقبل، إعمالًا لنص الوثيقة الدستورية التي منحت العسكريين رئاسة الفترة الأولى. لكن رفض العسكريين لذلك جاء مغلفًا بفشل المدنيين في إدارة البلاد.

صاحب تلك التهديدات إعلان العسكريين عن ما وصفوه بـ«محاولة انقلابية» في 21 سبتمبر الماضي، تلاها، في نهاية الشهر نفسه، مواجهات مسلحة بين قوات الأمن وخلايا إرهابية في عدد من أحياء العاصمة، وسط غياب تام للمكون المدني من هذه الأحداث الأمنية، في ضوء أن الأجهزة النظامية والقوات الأمنية تقع تحت مسؤولية المكون العسكري في السلطة الانتقالية.

وفيما يشتكى المكون المدني في السلطة الانتقالية من عدم سيطرته على الملفات الأمنية في البلاد، شكك مصدر عسكري، في وصف احتجاج كبار ضباط الجيش السوداني على تردي أوضاعهم المالية بالانقلاب، وقال: «ما جرى في 21 سبتمبر الماضي كان احتجاجًا لكبار الضباط، وحالة استياء عامة تنتابهم تجاه أوضاعهم المالية مقارنة مع قوات الدعم السريع، التي يتمتع أفرادها بامتيازات مالية كبيرة».

ومجموعة "ميثاق التوافق الوطني" التي تقود هذه الحشود المؤيدة للجيش، هي أحزاب أعلن بعضها انشقاقه عن "الحرية والتغيير"، واحتفظت لنفسها باسم "الحرية والتغيير"، متهمة أحزابا أخرى باختطاف القرار السياسي والتنفيذي داخل الدولة والتحالف الحاكم. وتطالب تلك الأحزاب، وأهمها حركة "العدل والمساواة" بقيادة جبريل إبراهيم، وزير المالية وحركة تحرير السودان بقيادة ميني اركو ميناوي، بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية في الحكومة، وحلّ الحكومة الحالية.

وتجد المجموعة دعماً لافتاً من المكون العسكري في السلطة الانتقالية، الذي أعاد ذات المطالب، وذلك رغبة منه، حسب تفسيرات كثيرين، في الاستفادة من تلك الأحزاب لبناء تحالف سياسي جديد، يكون بديلاً عن التحالف الحالي الذي يرفع إصبعه بالرفض لتوجهات العسكر ورغباتهم في تصدر المشهد.

والجمعة الماضي، أعلن رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك في بيان متلفز انحيازه الكامل للانتقال المدني الديمقراطي وإكمال مهام الثورة وتحقيق شعاراتها في الحرية والسلام والعدالة. مخيبا بذلك آمال المكون العسكري الذي كان يترقب إعلان حمدوك حل الحكومة.

Facebook Comments