في الوقت الذي بدأت فيه 14 أكتوبر 2021 جلسات محاكمة 4 ضباط أمن مصريين متهمين بقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة تحت التعذيب، قبل أن يتم تعليق المحاكمة، يواصل ضباط السيسي قتل المصريين في السجون دون أن يحاكمهم أحد.

أمن السلطة أهدر أرواح الكثيرين تحت وطأة التعذيب، وغيرهم يعانون من صنوف الانتهاكات اليومة، التي صارت منهجا متبعا داخل مقار ومراكز الاحتجاز بمصر، لكنهم لا يحظون مثل ريجيني بمحاكمات عادلة تقتص من هؤلاء القتلة الذين أعطاهم السيسي الأمان ليقتلوا معارضيه.

وفقا للتقارير الحقوقية المصرية قتل حتى الآن مئات الضحايا في سجون مصر منهم حوالي 1124 حالة وفاة تم حصرهم أثناء الاحتجاز من أكثر من 280 مقر اعتقال  سواء أقسام شرطة أو أمن الدولة أو السجون.

منظمة "كوميتي فور جستس" اعتبرت محاكمة قتلة ريجيني علامة فارقة لمنع الإفلات من العقاب ومحاولة جدية لضمان العدالة لأنها تلقي الضوء عالميا على جرائم السيسي وضباطه في مصر.

قالت المنظمة إن "ما فعلته مصر في 30 نوفمبر 2020، وإغلاقها رسميا التحقيقات في قضية “ريجيني”، لم يفلح في طمس معالم تلك القضية، بل على العكس سلط الضوء على حفلات التعذيب التي تقام داخل مقار ومراكز الاحتجاز في مصر، والتي تعج بأرقام ضحاياها تقارير المنظمة المختلفة، وكذلك ما يحتويه أرشيف مراقبة العدالة التابع للمنظمة من توثيق شامل للعديد من حالات الوفاة تلك".

وقال المدير التنفيذي لـ”كوميتي فور جستس” أحمد مفرح إن “إغلاق مصر لملف التحقيقات في قضية ريجيني كان محاولة منها للهروب إلى الأمام، ولكنها فشلت في ذلك، بل وفتحت الأبواب عليها للتصعيد ضدها من الجانب الإيطالي الذي نقل الملف بالكامل للمحاكمة، كما جعل كلامنا بشأن التعذيب داخل السجون ومقار الاحتجاز في مصر موثق بشكل واقعي".

 

رصد الشهداء سنويا

بحسب تقارير "كوميتي فور جستس"، هناك مئات الضحايا الذي قضوا نحبهم داخل مقار ومراكز الاحتجاز في مصر، ففي عام 2017، وخلال الستة أشهر الأولى منه، تم رصد 81 حالة قتل خارج إطار القانون.

أما في عام 2018، فتم رصد 245 حالة قتل خارج إطار القانون ووفاة أثناء الاحتجاز، كما تم توثيق 10 حالات (5 حالات قتل خارج إطار القانون، و5 حالات وفاة أثناء الاحتجاز). وفي عام 2019، تم رصد 95 حالة وفاة داخل مقر الاحتجاز؛ كالتالي (11 حالة انتحار، 75 حالة حرمان من الرعاية الصحية، 9 حالات وفاة بسبب التعذيب).

وفي عام 2020، تم رصد 101 حالة وفاة داخل مقار الاحتجاز، وتوزعت الوقائع المرصودة إجمالاً بين الوفاة نتيجة الحرمان من الرعاية الصحية بواقع (89 حالة وفاة)، والوفاة نتيجة سوء أوضاع الاحتجاز (6 وفيات)، ونتيجة التعذيب (خمس وفيات)، وأخيرا حالة انتحار واحدة، كما تم توثيق 10 حالات وفاة داخل مقر الاحتجاز جميعها نتيجة الحرمان من الرعاية الصحية.

وأخيرا، في الستة الأشهر الأولى من العام 2021، تم رصد 28 حالة وفاة داخل مقار الاحتجاز ، وتم توثيق حالة وفاة واحدة منهم.

ودعت “كوميتي فور جستس” لاستغلال انعقاد جلسة محاكمة قتلة “ريجيني” لإيصال رسالة لمصر والضغط عليها بشتى الطرق من أجل تسليم مسؤوليها الأمنيين الأربعة المتهمين في القضية، وفقا لقواعد ومواثيق القانون الدولي التي وقعت عليها.

وطالبت سلطات الانقلاب المصرية التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتفعيل النصوص الدستورية المحرمة لجرائم التعذيب، وإيقاف الضباط والقائمين والمشرفين على عمليات التعذيب والإخفاء القسري، ومحاسبتهم.

وشددت “كوميتي فور جستس” على أن هذه المحاكمة هي بمثابة تأكيد عملي عالمي على أن الإفلات من العقاب في جرائم التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مصر لن يمر بدون محاسبة، وأنها محاولة جدية لضمان العدالة لآلاف المصريين الذين وقعوا ضحايا لانتهاكات جسيمة تمت على يد السلطات في مصر.

 

من هم الضباط المتهمون؟

الضباط المصريون الأربعة المتهمون بخطف وتعذيب وقتل ريجيني وتحاكمهم إيطاليا غيابيا هم اللواء طارق صابر، والعقيد آسر كمال، والعقيد هشام حلمي، والمقدم مجدي عبد العال شريف.

وأصبح صابر حاليا مساعد وزير الداخلية للأحوال المدنية، وكان خلال الواقعة يعمل مدير قطاع في جهاز الأمن الوطني، وهو الذي أصدر تعليماته بمتابعة ريجيني بناء على تقرير رفع إليه من أحد مساعديه عن أنشطته البحثية وتواصله مع نقيب الباعة الجائلين، بمناسبة بحثه عن النقابات المستقلة في مصر

وكان لواء الشرطة طارق صابر مسؤولا كبيرا في جهاز الأمن الوطني وقت اختطاف ريجيني وقتله، فيما خدم الرائد شريف مجدي في نفس الجهاز، وكان مسؤولا عن الفريق الذي وضع ريجيني تحت المراقبة.

والعقيد هشام حلمي الذي خدم وقت الاختطاف في مركز أمني مسؤول عن حراسة منطقة القاهرة حيث يعيش ريجيني، والعقيد أسر كمال، رئيس قسم شرطة مكلف بعمليات الشوارع والانضباط؛ والشرطي الصغير محمود نجم.

أُثيرت تكهنات عن تورط نجل السيسي في القضية وأنه من أمر بالقتل، ولكن لم يثار ذلك على مستوى رسمي، وجاءت أنباء إبعاد السيسي عن ملفات هامة في المخابرات لتشير ضمنا لرسالة لإيطاليا بعقابه.

ويسعى مدعي عام روما، بمساعدة أسرة ريجيني، والحملة الحقوقية المساندة لهم وعدد من نواب البرلمان الإيطالي، إلى إقناع المحكمة بإصدار حكم ضد المتهمين في النهاية، وقبل ذلك الاستماع إلى عدد من الشهود الجدد، من بينهم الأكاديمية المصرية مها محفوظ عبد الرحمن، التي كانت المشرفة العلمية على أبحاث ريجيني وأعماله المختلفة خلال دراسته بالجامعة، والتي وجهته للسفر إلى مصر لإجراء أبحاثه حول النقابات المستقلة.

Facebook Comments