لعدم تمكن الادعاء من تبليغهم رسميا بالإجراءات القانونية، أوقفت محكمة إيطالية محاكمة أربعة ضباط شرطة مصريين – من قطاع الأمن الوطني أو أمن الدولة كما التسمية في عهد المخلوع مبارك- بشبهة قتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.
وعلق الروائي الإيطالي الأشهر أري دي لوكا، أمام مقر إحدى المحاكم الإيطالية التي شهدت جلسة محاكمة قتلة طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني مؤخرا، قائلا "السيسي يوفر ضمانة لإفلات قتلة ريجيني من العقاب في بلد ديكتاتوري، مضيفا ما قامت به السلطات الانقلابية في مصر من تهديد وإفساد التحقيقات والصمت عن المسؤولين عن مقتل ريجيني مخيف، وذهاب أي مواطن إيطالي لمصر بعد ما حدث هو ضرب من الجنون، يجب على كل إيطالي أن يتجنب الذهاب لمصر دفاعا عن النفس".
أما محامية أسرة ريجيني ألكسندرا باليريني، فاعتبرت أن "الحكم انتكاسة لجهودنا، لكننا نطالب ألا يفلت المجرمون الذين قتلوا ريجيني من العقاب".
وطلب سكرتير اتحاد العمال الإيطالي أوريتسيو لانديني -السبت 16 أكتوبر الجاري- في مظاهرة حاشدة في قلب العاصمة الإيطالية ضد صعود الفاشية الجديدة في إيطاليا "من أجل ذلك تحديدا، نريد الحقيقة من أجل ريجيني، نريد للحقيقة أن تظهر ويطبق العدل".
وأضاف لهؤلاء دعم لإعادة فتح القضية من رئيس مجلس النواب الإيطالي الذي أكد بعد انتكاسة محاكمة المتهمين بقتل ريجيني "قضية قتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني خلال وجوده في مصر ستكون في المرحلة القضائية التالية مدعومة بقوة كبيرة من قبل الدولة الإيطالية لمحاسبة المتهمين بقتله".

صلات اقتصادية
ويأتي القرار الإيطالي وسط قبول القاهرة عرضا إيطاليا للتوسط في أزمة سد النهضة مع إثيوبيا فنيا في ظل عدم وضوح موعد محدد لعودة مفاوضات سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا برعاية الاتحاد الإفريقي ورئيسته الحالية الكونغو الديمقراطية، وقبل بدء المحاكمة الغيابية للضباط المصريين الأربعة المتهمين بخطف وتعذيب وقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني عام 2016.

وقال مراقبون إن "الهدف الإيطالي المعلن هو حماية الاستثمار الإيطالي الكثيف في مشروع سد النهضة والمشاريع الزراعية والكهربائية التي تم الاتفاق على الشراكة فيها بين الحكومة الإثيوبية وبعض الشركات الإيطالية من أي تخريب محتمل لمشروع السد، حال تجاوز الخط الأحمر مع القاهرة".
هذا عوضا عن صفقة السلاح المقدرة بنحو 10 مليار دولار مع الحكومة الإيطالية التي وقعها السيسي، فضلا عن السماح لشركة إيني الإيطالية بالتنقيب عن نقاط جديدة برية وبحرية بحثا عن البترول والغاز في مصر".

معاودة قطع العلاقات
وأضاف آخرون في تعليق ل"العربي الجديد" أن "التدخل يتمثّل بالحفاظ على بعض أوجه التعاون الحكومي مع القاهرة بصورة محدودة، في ظل توجه حكومة ماريو دراغي ووزير الخارجية الحالي لويجي دي مايو لوقف جميع أشكال العلاقات، بعيدا عن التعاقدات الخاصة بالمستثمرين والتسليح والأمن، فضلا عن وقف المفاوضات بشأن القروض والمساعدات وغيرها من الاتفاقيات والبروتوكولات، وذلك إلى حين تحقيق تقدم في قضية ريجيني".

تعليق ويحول
وقال تقرير إن "المحكمة علقت الخميس -على أن يعاد ملف التحقيق للمحكمة الابتدائية- محاكمة أربعة من ضباط الشرطة المصريين غيابياً بشبهة القتل الوحشي في القاهرة للطالب الإيطالي جوليو ريجيني قبل خمس سنوات، بعدما توصل قضاة المحكمة إلى أن المتهمين الأربعة لا يمكن محاكمتهم غيابيا، بسبب عدم تمكن الادعاء من تبليغهم رسميا بالإجراءات القانونية ضدهم، وفق ما قال محامي دفاع عينته المحكمة".

والضباط متهمون بالخطف والتآمر بالقتل والتسبب بأذى جسدي جسيم للطالب الإيطالي، في القضية التي أثارت غضبا في إيطاليا وأثّرت سلبا على العلاقات مع القاهرة.

وكان على المحكمة أن تبت أولا ما إذا كان المشتبه بهم الأربعة الذين يقول الإدعاء أنهم رجال أمن على علم بالإجراءات القضائية المتخذة في حقهم، في حين رفضت مصر تقديم تفاصيل تسمح بالاتصال بهم.

وحضر والدا ريجيني وشقيقته جلسة الاستماع في غرفة تحت الأرض بسجن ريبيبيا، والتي غالبا ما كانت مسرحا لمحاكمات عصابات المافيا.

والضباط الأربعة هم كما وردت أسماؤهم في وثائق المحكمة اللواء طارق صابر والعقيدان آسر كامل محمد إبراهيم وحسام حلمي والرائد إبراهيم عبد العال شريف المتهم بتنفيذ عملية القتل.

وأضاف المحققون أن الضباط الأربعة ليسوا على علم بالمحاكمة فحسب، بل "تصرفوا بشكل منهجي ومستمر لإبطاء التحقيق وعرقلته".

وأردفوا أنه تم استجوابهم جميعا في 2018 من قبل جهاز الأمن في مصر بعد خمسة أشهر من إبلاغ إيطاليا السلطات المصرية بأنهم قيد التحقيق، ومن غير المحتمل أن الأمن لم يخبرهم بأنهم مشتبه بهم بشكل رسمي.

قتل وتشويه
يشار إلى أنه عثر على جثة جوليو ريجيني، 28 عاما، بعد تسعة أيام من اختفائه في يناير 2016، ملقاة عارية وعليها آثار تعذيب شديد، في إحدى ضواحي القاهرة.

قالت والدته ضمن ما قالت إن "الجثة تشوهت إلى درجة أنها لم تتعرف على ابنها إلا من خلال طرف أنفه".
ويرى الإيطاليون (محققون وإدعاء وقضاء) أن ريجيني خُطف وقُتل بناء على اعتقاد خاطئ بأنه جاسوس أجنبي، وحصل الإيطاليون على إفادات شهود العيان وغيرها من عناصر الإثبات المهمة، تدين ضباط الأمن الأربعة في جريمة القتل.

ورحّب وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو بانعقاد أول جلسة استماع في روما معتبرا أنها "نتيجة لم تكن متوقعة في الأسابيع التي أعقبت اكتشاف جثة جوليو".

وأكدت الحكومة أنها ستنضم إلى الإجراءات بدعوى مدنية للحصول على تعويضات من الانقلابيين في مصر، في دعم رمزي لعائلة ريجيني، بحسب فرانس برس.


الطريقان أمام روما
ووفق صحيفة "العربي الجديد" أمام روما طريقان يُرجّح السير فيهما: الأول خاص بالضغوط السياسية المتعددة التي من الوارد زيادتها، بسبب ضعف الآمال المعلقة على المسار القضائي، وكذلك استجابة للضغوط الكبيرة من نواب المعارضة على الحكومة لوقف التعامل الاقتصادي والعسكري مع مصر في حال استمرار تهربها من المسؤولية وإخفاء الحقيقة. أما الثاني، فهو اتخاذ إجراءات أمنية عالمية بطلب إدراج الضباط الأربعة على قوائم الإنتربول، من خلال دعوى منفصلة يرفعها الادعاء ويبت فيها القضاء الإيطالي، الأمر الذي تخشى مصر حدوثه، واستعدادا له أصدرت قانونا يتيح للمحكمة الدستورية العليا وقف مثل تلك القرارات.

Facebook Comments