سجلت معدلات التضخم في مصر أعلى معدل لها على أساس سنوي منذ عام 2019، فيما يتوقع مراقبون أن تستمر معدلات التضخم في الارتفاع خلال الشهر الجاري، وذلك على خلفية قرار حكومة الانقلاب برفع أسعار البنزين، وموجة ارتفاعات الأسعار التي تشهدها الأسواق المصرية.

كانت نشرة التضخم الشهرية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قد كشفت عن ارتفاع التضخم الشهري بنسبة 1.6% في سبتمبر الماضي، قياسا بشهر أغسطس الماضي، فيما سجل التضخم على أساس سنوي أعلى معدلاته لعام 2021، حيث بلغ في سبتمبر الماضي 8% مقابل 3.3% في سبتمبر 2020.

وأرجع خبراء اقتصاديون، وصول معدل التضخم لهذا المستوى إلى مجموعة من الأسباب أبرزها زيادات أسعار البنزين والكهرباء والمياه وفشل الإدارة الاقتصادية لحكومة الانقلاب، فضلا عن الزيادة المفرطة في طباعة النقود بدون إنتاج حقيقي.

 

أزمة حقيقية

حول أسباب ارتفاع معدلات التضخم وانعكاساتها على حياة المصريين قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده إن "نسبة التضخم في مصر أكبر من النسبة المعلنة من قبل حكومة الانقلاب، وهي تمثل خطرا على الاقتصاد المصري، لأنها طاردة للاستثمار، مشددا على أهمية إيجاد حلول للسيطرة على التضخم".

وقال عبده في تصريحات صحفية إن "أزمة الاقتصاد المصري تتمثل في عدم الاستعانة بالكفاءات، معتبرا أن محاولة معالجة نسبة التضخم ليست صحيحة، لأن القائمين على الحل لا يعرفون الأزمة الحقيقية، وأن ما تعانيه مصر ليس تضخما، وإنما هو ركود تضخمي".

وحذر من أن نسبة التضخم مزعجة جدا، خاصة إذا كانت دولة العسكر تبحث عن استثمارات، فكيف تسعى لجذب استثمار والتضخم في هذه الحدود؟ مؤكدا أن التضخم من أكبر القوى الطاردة للاستثمار، فالزيادة في نسبة التضخم تعني أن دخل الفرد يتناقص وأي مستثمر يفكر في استثمار أمواله يتعاقد مع مكتب يحلل له نسبة التضخم في الدولة وعجز الموازنة ومعدل البطالة والتنمية قبل أن يفكر في نسبة مكسبه، ثم يفكر في البيروقراطية والفساد وما إذا كان قادرا على تحويل أمواله للخارج، خاصة إذا كان مقر شركته بالخارج، بالإضافة إلى ضرورة توفير العملة الأجنبية لتحويل أرباحه إذا رغب في ذلك.

 

تعويم الجنيه

وحول المسؤول عن رفع نسبة التضخم أوضح عبده أن قرار تعويم الجنيه خلال فترة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض الـ12 مليار دولار، سبب رئيسي في ارتفاع نسبة التضخم ، فطلب صندوق النقد الدولي ضرورة تقليل نسبة التضخم، ونصح دولة العسكر برفع نسبة الفوائد في البنوك، وبالفعل تم رفع النسبة عدة مرات منذ قرار تعويم الجنية ، واضطرت البنوك إلى شراء أذون خزانة حتى تسطيع دفع نسبة الفوائد، وفي نفس الوقت أدى رفع نسبة الفوائد بالبنوك إلى هروب المستثمرين.

وأكد أن قرار التعويم كان سببا رئيسيا وراء نسبة التضخم الكبيرة الموجودة حاليا، وكان لا بد من تعويم الجنيه تدريجيا، لكن محافظ البنك المركزي قرر التعويم على درجة واحدة، وهو ما سبب زلزالا كبيرا في السوق وتوابعه مستمرة حتى الآن موضحا أنه ترتب على هذا القرار زيادة تكاليف الحياة، ورفع أسعار السلع، وحكومة الانقلاب لم تقف مع المواطن المحتاج، لكنها رفعت شعارات غير حقيقية، وأطلقت تصريحات غير سياسية وكل ذلك يشير إلى خطأ في المنظومة.

ووصف عبده ما يحدث في مصر بأنه ليس تضخما، ولكن يمكن تسميته "الركود التضخمي"، بمعنى أن العرض متوفر والقوة الشرائية غير موجودة، بسبب تناقص دخل الفرد، وفي نفس الوقت هناك ركود نتيجة عدم إقبال الناس على الشراء، وكان من المفترض حسب هذه النظرية أن تنخفض الأسعار، لكن ذلك لم يحدث.

وشدد على ضرورة العمل على تخفيض نسبة التضخم، وفي حال لم يحدث ذلك ستكون هناك مصيبة في الاقتصاد المصري، لأنها أكبر قوة طاردة للاستثمار، بالإضافة إلى أنها تسبب معاناة شديدة للناس، فالعالم الآن يتحدث عن جودة الحياة، لكن في مصر، الناس تبحث عن مجرد الحياة ما يؤثر على المستقبل في صورة الجيل الجديد.

 

أسعار البنزين

وقال الدكتور سرحان سليمان، خبير اقتصادي إن "السبب الرئيسي في زيادة معدل التضخم هو زيادات اﻷسعار الأخيرة التي تسببت فيها قرارات حكومة الانقلاب بزيادة أسعار البنزين ومن قبله الكهرباء والمياه".

وأضاف سليمان في تصريحات صحفية أنه "كان من المتوقع أن تؤدي هذه الزيادات إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم مشيرا إلى أن هذه المعدلات لا توجد في أي دولة مستقرة في العالم".

ولفت إلى أنه في حالة زيادة معدل التضخم فإن ذلك يعني أن الدولة أصبحت ذات ظروف خاصة مثل الحروب والأوبئة ولكننا في مصر لا نعاني من حروب أو أوبئة ولذلك فإن هذه المعدلات ناتجة عن فشل الإدارة الاقتصادية.

وأوضح سليمان، أن وصول معدل التضخم إلى هذه النسبة مؤشر خطير على الاقتصاد المصري من وجهة نظر المستثمرين الأجانب، لأنهم يشعرون بأننا دولة ليس لديها نظام اقتصادي مستقر وإدارة اقتصادية تضع قوانين وأدوات تكبح هذا المعدل.

وأشار إلى أن ارتفاع التضخم له انعكاسات خطيرة على مستوى المعيشة ومتوسطي الدخل، لأن ارتفاع الأسعار يعني انخفاض الدخل بنفس النسبة أي أن المواطن يفقد نفس النسبة من ثروته، كما أن نسبة الفقراء ستزيد وستصل إلى أكثر من 60 % فضلا عن ارتفاع نسبة البطالة نتيجة زيادة تكلفة الإنتاج.

 

طباعة النقود

وقالت الدكتورة علياء المهدي، عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة السابقة، إن "معدل التضخم الحالي، له آثار سلبية سيئة على معدلات الفقر".

وأضافت علياء المهدي، في تصريحات صحفية، أن "زيادة معدل التضخم إلى مستوياتها الحالية تعني تآكل قيمة الجنيه المصري، وتراجع قيمة المدخرات بنفس المستوى، محذرة من تنامي معدل الفقر".

وأشارت إلى أن "زيادة معدل التضخم ناتج عن مجموعة من الأسباب أبرزها، الزيادة المفرطة في طباعة النقود بدون إنتاج حقيقي ما ساهم في زيادة الأسعار، وزيادة المطروح من السيولة دون أن يقابله زيادة في الإنتاجية، إضافة إلى ثبات معدلات الإنتاج والاستثمار دون زيادة تسهم في إصلاح الوضع الاقتصادي".

وأكدت علياء المهدي أن "معدل طباعة النقود ارتفع ليتراوح بين 70 و80 مليار جنيه سنويا، بعد أن كانت تتراوح بين 8 و12 مليار جنيه سنويا قبل عام 2011 ".

Facebook Comments