كشف الكاتب والخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام أن قاعدة بيانات البنك المركزي المصري تكشف أن مصر مطالبة بسداد أكثر من 40 مليار دولار خلال العام المالي الجاري (2021/2022).

وحسب البنك فإنّ مصر مطالبة بسداد إجمالي أرصدة مستحقة خلال العام من يونيو 2021 إلى يونيو 2022 تصل إلى 40.5 مليار دولار، تمثل ودائع الخليج، التي يتم تجديدها باستمرار، أو جزء كبير منها، بناء على التفصيل التالي:

  • مصر  مطالبة بسداد 15.78 مليار دولار خلال الربع الأول من العام المالي الحالي.
  • ودفع 7.5 مليارات دولار خلال الفترة من أكتوبرالحالي إلى ديسمبرالمقبل.
  • و8.49 مليارات دولار خلال الربع الأول من 2022.
  • و 8.74 مليارات دولار خلال الربع الثاني من العام 2022م. مصر

ويضيف الكاتب: «40.5 مليار دولار، أي نحو 636 مليار جنيه، مصر مطالبة بسدادها خلال العام المالي الحالي 2021-2022، فماذا يتبقى من إيرادات الدولة وموازنتها العامة وحصيلة ضرائبها لسداد البنود الأساسية ومنها الرواتب والدعم ومخصصات التعليم والصحة والدفاع والأمن وتمويل الخدمات العامة واستثمارات البنية التحتية؟».

وفي مقاله "قروض الفيمتو ثانية في مصر" يحذر عبدالسلام من مخاطر التوسع في الاقتراض على حاضر مصر ومستقبلها. متسائلا في مقاله المنشور 19 أكتوبر 2021م بصحيفة "العربي الجديد" اللندنية:  ما سر إصرار الحكومة المصرية على اغتراف كل هذه القروض الخارجية وخلال فترات زمنية متقاربة، ولمَ الإصرار على اقتراض مليارات الدولارات من الخارج في الوقت الذي تعاني فيه البلاد تراجعا في إيرادات النقد الأجنبي، خاصة من قطاع السياحة الحيوي؟ وما الضرورة الملحة في اقتراض مليارات الدولارات لتمويل إقامة ناطحات سحاب وأبراج شاهقة وأكبر مسجد في المنطقة وأضخم دار للأوبرا في الشرق الأوسط، أو حتى تمويل قطار فائق السرعة يخدم بالدرجة الأولى كبار المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب الحظوة والياقات البيضاء ورواد مارينا والعلمين والساحل الشمالي والعين السخنة وقاطني العاصمة الإدارية الجديدة؟

ويضيف متسائلا باندهاش: هل تدرك الحكومة أنّ المواطن الذي يتحمل وحده عبء كلفة القروض الخارجية بات يئن خصوصاً مع قفزات أسعار السلع والخدمات وتآكل قدرته الشرائية وضعف الدخول مقارنة بتضخم الأسعار؟ هل تدرك الحكومة أن الفقراء، وفي مقدمتهم موظفو الدولة والقطاع العام، هم من باتوا يتحملون العبء الأكبر للديون الخارجية إذ يتم اقتطاع الضرائب من دخولهم المحدودة أو من قوت يومهم ويسددون من "اللحم الحي" ضريبة قيمة مضافة تعادل 15% من ثمن السكر والزيوت والشاي والسلع الأساسية التي يشترونها، إضافة إلى رسوم حكومية ترتفع قيمتها يوما بعد يوم يتم فرضها حتى على تصاريح دفن الموتى وركن السيارة في الشارع؟

وبحسب الكاتب، فإن المتابع للفترة الزمنية يجد أنّ الحكومة اختصرت الأوقات وحرقت المسافات، فبعدما كانت في أيام نظام عبد الناصر والسادات ومبارك تحصل على قرض خارجي واحد كل سنوات، اختصرت الفترة إلى قرض كل سنة، ثم كل نصف سنة، والآن قلصت الفترة إلى أسابيع وربما أيام، وربما يأتي اليوم الذي نحسب فيه القروض بمقياس الفيمتو ثانية خصوصاً مع ضخامتها وسرعة الحصول عليها وتعامل الحكومة معها على أنها أحد إنجازاتها رغم أن كل دول العالم تتعامل مع القروض على أنها عبء للأجيال الحالية والمقبلة، وقد تغرق أعباء تلك الديون البلاد في أزمات لا حصر لها، وما مثال لبنان واليونان والأرجنتين عنا ببعيد.

ومع توسع الحكومة غير المحسوب في الاقتراض ارتفع الدين الخارجي لمصر بقيمة 14.3 مليار دولار خلال العام المالي 2020/2021 ليسجل 137.85 مليار دولار بنهاية يونيو 2021م بحسب بيانات البنك المركزي، وهو الرقم الذي لا يتضمن قروضا أخرى حصلت عليها البلاد في الربع الأول من العام المالي الجديد 2021-2022 منها 3 مليارات في صورة سندات دولية، أي أن ديون مصر الخارجية تجاوزت حاليا 140 مليار دولار.

ويعزو الكاتب أسباب تكالب الدول والمؤسسات المالية وبنوك الاستثمار والصناديق المالية على إقراض مصر كل هذه المليارات من الدولارات إلى سببين:

الأول، هو أن أسعار الفائدة العالية التي تمنحها الحكومة للمقرضين. ففي القرض الأخير الذي حصلت عليه يوم 23 سبتمبر منحت سعر فائدة 5.8% على القروض البالغ مدتها 6 سنوات، و7.3% لمدة 12 عاما و8.75% لمدة 30 سنة، كما أن وكالة "بلومبيرغ" الاقتصادية الأميركية قالت في وقت سابق إن مصر باتت تدفع أعلى سعر فائدة في العالم على القروض الدولارية.

الثاني، يتعلق بالتزام مصر في سداد أعباء الديون المستحقة عليها في المواعيد المحددة وعدم تأخرها.

وينتهي الكاتب إلى أن الخطورة في التوسع في الاقتراض لا تكمن في رهن القرار الاقتصادي للدولة للدائنين الدوليين الذين قد يتدخلون في تحديد أوجه الإنفاق العام للموازنة المصرية ويفرضون على الحكومة تطبيق إجراءات تقشفية عنيفة بحق المواطن وإجراء زيادات مستمرة في الأسعار وخفض للدعم الحكومي فقط، لكن هناك مخاطر أخرى تكمن في الضغط على الجنيه المصري واحتياطي النقد الأجنبي، ودوران الدولة في حلقة مفرغة تدفع الحكومة للحصول على قروض جديدة لسداد قروض قائمة، إضافة إلى ارهاق الموازنة ومعها الضغط المستمر على المواطن، وربما في وقت لاحق يتم تخيير المواطن بين الحصول على الدعم، أو سداد الديون الخارجية.

 

قرض فرنسي للسيسي

في السياق، وافق البرلمان المصري بشكل نهائي، على قرار عبدالفتاح السيسي ـ رئيس الانقلاب ـ  رقم 364 لسنة 2021م المُوقَّع بين الحكومتين المصرية والفرنسية في يونيو الماضي بالقاهرة بشأن حصول مصر على قرض فرنسي قيمته 3.2 مليار يورو، بدعوى المساهمة في تنفيذ المشاريع ذات الأولوية في مصر.

ويقضي الاتفاق بتمويل فرنسا مشروعات تنفذها شركات فرنسية بـ"شروط تفضيلية"، ومنها توريد شركة "ألستوم" الفرنسية 55 عربة للخط الأول لمترو القاهرة، بكلفة إجمالية 800 مليون يورو كقرض مقدم من الخزانة الفرنسية، بالإضافة إلى 9 مشاريع أخرى في قطاعات النقل، والكهرباء، وتحلية المياه، والبنية التحتية، وأسواق الجملة، بواسطة قروض تقدم من مصارف تجارية فرنسية بضمان الدولة. وتبلغ الفائدة على القرض الفرنسي المقدم لمصر 0.7%، بآجال تصل إلى 30 عاماً، منها 15 عاماً (فترة سماح). مع العلم أن توسع الحكومة المصرية في الاستدانة من الخارج رفع معدلات الديون العامة، بمكونيها المحلي والخارجي، إلى قيم غير مسبوقة في تاريخ البلاد.

وتقدر الفوائد المطلوب سدادها عن القروض المحلية والأجنبية في الموازنة المصرية الحالية بنحو 579.6 مليار جنيه، وأقساط القروض بإجمالي 593 مليار جنيه، ليبلغ إجمالي أقساط وفوائد الديون المستحقة في العام المالي (2021-2022) نحو 1.172 تريليون جنيه.

وكان تقرير حديث للبنك الدولي قد كشف أن ديون مصر  الخارجية قفزت من 36.77 مليار دولار في نهاية عام 2010 إلى نحو 131.58 مليار دولار بنهاية 2020، بنسبة زيادة بلغت 257%، وارتفعت إلى 43 مليار دولار في يونيو 2013، ونحو 46 مليار دولار في يونيو 2014، أي أنها قفزت بنسبة تناهز 200% منذ تولي السيسي السلطة رسمياً في مصر سنة 2014م.

Facebook Comments