تصريحات الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في احتفالات الذكرى الـ48 لانتصار أكتوبر 1973م والتي دعا فيها إلى ضرورة التقدم في التطبيع والسلام (الوهمي) مع الاحتلال الإسرائيلي، ثم ثناءه البالغ على الرئيس الراحل أنور السادات على اتفاقية "كامب ديفيد" في مارس 1979م و"الإشادة ببصيرته السياسية"، لم تُشكّل  تغيراً نوعياً عن سياساته التي اتّبعها منذ اغتصابه للسلطة بعد انقلاب يوليو 2013م.

وخلال السنوات الماضية مد السيسي جسور التعاون والتفاهم والتنسيق السياسي والأمني والعسكري والاستراتيجي مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، واتخاذ إجراءات جديدة تهدف إلى ثلاثة أمور رئيسية:

  • أولها تصفية القضية الفلسطينية بشكلها التقليدي كقضية حياة ومصير للشعب الفلسطيني وكقضية مركزية للشعوب العربية كافة، وحصرها في تفاهمات مؤقتة لتحسين الأوضاع المعيشية وتثبيت التهدئة، واستغلال مقومات مصر وموقعها الاستراتيجي والتاريخي لكسب ثقة الإدارات الأميركية والدوائر السياسية في واشنطن ونيويورك، والتي تهتم في المقام الأول بتكريس الحماية والأمن للإسرائيليين.
  • الأمر الثاني توسيع اتفاقيات السلام بين الاحتلال والدول العربية، وهو هدف عمل عليه السيسي بوضوح منذ توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية عام 2016، وتنازله عن جزيرتي تيران وصنافير، وتسهيل تقارب السعودية مع دولة الاحتلال سياسياً. ثم زاحمته فيه دولة الإمارات خلال الفترة الأخيرة من عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، رغم محاولة السيسي استعادة دوره الفعّال في الملف حالياً.
  • أما الأمر الثالث فهو المضي قدماً في التطبيع مع الاحتلال إلى مستوى غير مسبوق حكومياً وشعبياً، من خلال المشاركة في أنشطة ثنائية مختلفة، وتطوير التعاون الاقتصادي والخدمي والمرفقي. وهو أمر سعت إليه الحكومات الإسرائيلية من دون جدوى طيلة عهد الرئيس  الراحل حسني مبارك، وكان مستحيلاً التوصل إليه بعد ثورة 25 يناير 2011، إلا أن السيسي اتخذ خطوات تنفيذية متتالية في هذا السياق، بدءاً من إخطار حكومة الاحتلال بالتنازل عن تيران وصنافير وتوثيق ذلك في القرارات الرسمية لمصر، والشراكة الرسمية العلنية في مجال الطاقة، وانتهاء بتسيير رحلات جوية للشركة الوطنية "مصر للطيران" من وإلى مطار بن غوريون، لتسهيل حركة السياح والمستثمرين، بعد تعثر وعدم انتظام لسنوات.

 

أهداف السيسي

هناك تفسيرات تقول إن سبب هوس السيسي وهرولته المبالغ فيها تجاه الاحتلال والدوافع التي تحركه وتصريحاته التي يغازل فيها الصهاينة إنما يستهدف بذلك الحصول على جائزة نوبل للسلام على غرار السادات، ويرى السيسي والمقربون منه أن حصوله على هذه الجائزة ستكون شهادة عالمية له تنفي عنه الاتهامات المستمرة بالقمع داخل مصر وفرض قيود على حقوق الإنسان والمجال العام بخلاف غسل يده من المذابح الدموية التي اقترفتها يداه وأجهزته. ولتحقيق هذا الهدف اتخذت تحركات السيسي شكلا رسميا من خلال القيام بحملة دبلوماسية سرية واسعة عبر السفارات المصرية في العواصم الرئيسية، وبالتواصل مع عدد من المعاهد الأكاديمية والمنظمات والمراكز البحثية ودوائر صنع القرار السياسي في واشنطن ونيويورك ولندن وبرلين وباريس واستوكهولم. وركزت الحملة على إيجابيات حكم السيسي على المستوى الإقليمي، ودوره في تهدئة غزة الأخيرة، وفي مد روابط الصداقة بين العواصم العربية ودولة الاحتلال، وكذلك الخطوات التي اتخذت للتقارب مع قطر وتركيا في العام الأخير. وذلك كله لانتزاع ترشيحه من عدد من الشخصيات والجهات ذات الحيثية، كما حدث مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد منذ عامين، والذي جاء نجاحه تتويجاً لحملة سياسية إثيوبية واسعة أيضاً، خصوصاً في الولايات المتحدة.

ورغم فشل هذه الحملة هذا العام، لكن طموح السيسي لا يتوقف بعد فشل التسويق هذه المرة لأن هذه التحركات سوف تستمر لسنوات أخرى ابتغاء للنجاح في انتزاعها، وإن فشلت تلك المساعي فهناك أثر إيجابي جانبي آخر يتمثل في تحسين صورة النظام الحاكم في الدوائر المراقبة ذات الصلة بالشرق الأوسط والمهتمة بالأوضاع في مصر تحديداً.

من جانب ثان، فإن الدافع الرئيس لهذا السلوك المندفع نحو تعميق التطبيع، فيتمثل في محاولة السيسي  نيل ثقة الدوائر الصهيونية في الولايات المتحدة، والتي ساعدته في التفاهم مع واشنطن، على الرغم من الإشكاليات الكثيرة في عهدي باراك أوباما ودونالد ترامب، والتربص المستمر من دوائر مختلفة في الحزب الديمقراطي تحديداً، والمطالبة بالتشدد في التعامل مع نظامه بفرض عقوبات وتقليل الامتيازات. ويتصل هذا الهدف بسعي السيسي المستمر لإنجاح خطة تقاربه مع الإدارة الأميركية الحالية، بتقديم قرابين مختلفة إقليمياً على المستويين السياسي والأمني، في مقابل التراخي والتساهل معه في القضايا الحقوقية وغض الطرف عن انسداد المجال العام، والقضاء على أي فرص لتحوّل مصر ديمقراطياً إلى تداول السلطة والحكم الرشيد.

ولتحقيق هذا الهدف يحرص السيسي على النجاح في اختراق ثلاثة ملفات إقليمية حساسة: أولها التوصل إلى تهدئة دائمة في الأراضي الفلسطينية، باتفاق واضح بين دولة الاحتلال والفلسطينيين، يتضمن تبادلاً واسعاً للأسرى وإنجاحاً لمساعي تحسين الأوضاع الإنسانية في غزة.  ثانيها إنجاح مساعي التطبيع بين السودان ودولة الاحتلال، برعاية وشراكة مصرية واضحة للطرفين، وفي إطار يمكّن للقاهرة من السيطرة عليه والحد من تجاوزه لمصالح أطراف أخرى كالإمارات. أما ثالث تلك الاختراقات فبناء شراكة واسعة مع دولة الاحتلال والأردن والسعودية في مجالي السياحة والطاقة.

Facebook Comments